هل تدخل أرمينيا في أزمةٍ سياسية؟

بالنظر إلى التشكيلة الحاليّة للحكومة الأرمنية، نجد أنها تتألّف في غالبيّتها من المستقلّين وبعض المُنتمين إلى حزب "العقد المدني" الذي يتزعّمه رئيس الوزراء الأرمني باشينيان.

  • الواقع يقول أنّ رئيس الوزراء الأرمني في موقفٍ لا يُحسد عليه عقب الخسارة العسكرية
    الواقع يقول إنّ رئيس الوزراء الأرمني في موقفٍ لا يُحسد عليه عقب الخسارة العسكرية

عندما تضع الحرب أوزارها، عادةً ما تُفرز بلداً منتصراً وآخر خاسراً، وتكون ارتدادات الحرب على المستوى الداخلي مختلفةً بين البلدين، فالمنتصر ينتشي بانتصاره، وتُرفع شعبية الحاكم وسط عامّة الشعب، بينما المنهزم يحصي خسائره، وتبدأُ حملات الانتقادات ضده حول طريقته في إدارة الصراع، بدءاً من شعبه، إلى خصومه السياسيّين، فهذه قاعدةٌ مُسلّمٌ بها في عالم السّياسة والحروب، لأن هذه الأخيرة تشكّل امتداداً للسّياسةِ، كما يقول كارل فون كلاوزفيتز.

وتَسري هذه القاعدة على رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، الذي ستصعب الأمور عليه أمام خصومه السياسيين، بعد الإنتقادات التي طالته حول طريقة تدبيره للمعركة، فالخسارة العسكرية التي مُنيت بها القوات المسلّحة الأرمينية في حربها ضد أذربيجان، ما زالت تُلقي بثقلها على الشعب الأرمني الرازح تحت هول الصدمة. 

وما يعزّز هذا الاتجاه هو إعلان الرئيس الأرمني أرمن سركيسيان، خلال زيارةٍ خاصةٍ لروسيا ولقائه بمجموعةٍ من الفعاليات الأرمنية المقيمة في روسيا، عن ضرورة تشكيل حكومةِ وحدةٍ وطنية، في أفق تنظيم انتخاباتٍ جديدة، مع إجراء استفتاءٍ لتعديل الدستور الأرمني، يتمّ  بموجبه ضبطُ التوازن بين فروع السلطة. 

المعلوم أن التعديلات الدستورية التي تمّ إقرارها عقب استفتاء 2015، تناولت "الباب الخامس" من الدستور الأرمني المتعلّق بالصّلاحيات المخوّلة لرئيس الدولة، حيث تمّ سحب جميع السلطات من هذا الأخير ومنحها لرئيس الوزراء، على أن يبقى دور رئيس الجمهورية رمزياً.

ويبدو أن الرئيس الأرمني أراد ضبط التوازن بين السلطات من خلال تقاسم الصلاحيات بين رئيس الدولة ورئيس الوزراء، بحيث يتولّى رئيس الجمهورية إدارة شؤون السياسة الخارجية والدفاع مثلاً، بينما يقتصر دور رئيس الوزراء على إدارة الشأن الداخلي للبلاد. إنّ إجراءاتٍ مماثلة يُعمل بها في دساتير بعض دول العالم، بيد أن السؤال الذي يطرح نفسه، هل سيقبل رئيس الوزراء نيكول باشينيان بمثل هذه التعديلات التي تعني سحب بعض الصلاحيات منه ؟

الواقع يقول إنّ رئيس الوزراء الأرمني في موقفٍ لا يُحسد عليه عقب الخسارة العسكرية التي مُنيَت بها أرمينيا أمام أذربيجان، سيّما وأن الشارع الأرمني يعتبره المسؤول الأوّل عن الهزيمة العسكرية التي أسفرت عن اقتطاع جزءٍ من أراضي إقليم ناغورنو كاراباخ لصالح أذربيجان، بدليل المظاهرات التي خرجت ضده في العاصمة يريفان قبل 10 أيام تطالبه بالإستقالة، وهو أمرٌ يرفضه حتى الآن. 

لذا، لن يكون بوسع رئيس الوزراء نيكول باشينيان، الإعتراض على هذا المُقترح في حال تبنّيه بشكلٍ رسميّ، فأيّ رفضٍ من جانبه سيعني دخول البلاد في متاهة أزمةٍ سياسيةٍ تُعيد إلى الأذهان ما وقع عام 2018، في الوقت الذي لا تزال أرمينيا تضمّد جراحها بعد الحرب.   

وبالنظر إلى التشكيلة الحاليّة للحكومة الأرمنية، نجد أنها تتألّف في غالبيّتها من المستقلّين وبعض المُنتمين إلى حزب "العقد المدني" الذي يتزعّمه رئيس الوزراء الأرمني باشينيان، والكلّ يعلم الطريقة التي وصل بها هذا الأخير إلى السلطة. وعلى هذا الأساس، لا يمكن أن يبقى الوضع السّياسي  على حاله في أرمينيا.  

وفي ظلّ هذه المجريات، لا يُستبعد أيضاً أن تكون روسيا وراء هذا الطّرح، بشكلٍ أو بآخر، خصوصاً أن الوجود الروسي في إقليم ناغورنو كاراباخ قد أصبح أمراً واقعاً، ما يسمح لموسكو بالتأثير على سير الأمور في يريفان، كما أنّ علاقة الكرملين/ باشينيان يشوبها الحذر وانعدام الثّقة بسبب الأسلوب الذي ينتهجه باشينيان في تعامله مع روسيا، بعد وصوله إلى السلطة عقب الثورة "المخملية" التي قادها عام 2018.

خلاصة القول، إنّ رئيس الوزراء الأرمني أمام خيارين لا ثالث لهما، إمّا القبول بالتعديلات الدّستورية -إذا تم تبنّيها- مع ما يترتّب عليها من تقاسمٍ للصلاحيات بين رئيس الدولة ورئيس الحكومة، أو مواجهة انتفاضاتٍ شعبيّةٍ عارمة قد تُطيح به؛ على أيّة حال لن نستبقَ الأحداث، فالأيام القادمة ستكشف كل شيء. 

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
خالد البوهالي

كاتب مغربي

إقرأ للكاتب

بعد قرار بايدن تمديد معاهدة "ستارت".. هل تنضم الصّين إليها؟

تدرك الصين أنّ مستقبل الصراع الدولي سيكون بينها وبين أميركا، ولا سيَّما أنَّ هناك مؤشراتٍ عدّة...

خوان غوايدو وصفعة الغرب

تنطبق على خوان غوايدو، مقولة الزعيم السوفياتي الراحل نيكيتا خروتشوف: "عندما يصفّق لي الغرب، أعرف...

لماذا يصرّ الديمقراطيّون على تفعيل البند 25 من الدستور الأميركي؟

العلاقة بين الديمقراطيين و ترامب، شابتها مشاحناتٌ و خلافاتٌ حادة حول العديد من الملفات، وكلّنا...

أميركا ترفع القيود عن تايوان.. إلى أين تمضي العلاقات الأميركيّة الصينيّة؟

مما لا شكَّ فيه أنَّ العلاقات الأميركيّة الصينيّة تمرّ بأسوأ مراحلها خلال حقبة ترامب، ولن تزيد...

بعد حادثة الكونغرس هل بدأ العد العكسي لانهيار الولايات المتحدة ؟

لم يتوقّع، حتى المتشائمون، أن يأتيَ يومٌ نرى فيه رئيساً أميركياً يرفض الاعتراف بنتائج...

هل تتجه الحكومة الهندية نحو المزيد من التضييق على المسلمين ؟

لقد ظلت الهند منذ استقلالها عن التاج البريطاني عام 1947، دولةً تتعايش فيها جميع الأديان، و...