عن بايدن والاتفاق النووي.. إيران في موقع قوة

تعمل إيران وفق خطة عملٍ واضحة وتتخذ قراراتها بهدوء وبعد تحليلٍ عميق وواقعيّ للخيارات والاحتمالات. وأهم معالم خطة العمل الإيرانية هي إبراز عناصر الصمود، وحجم الكفاءة والقدرة العسكرية والدفاعية، ومدى التقدم التكنولوجي الذي وصلت إليه.

  • المشكلة أمام بايدن كبيرة للغاية، لأن التفاهم مع إيران لن يكون سهلاً
    المشكلة أمام بايدن كبيرة للغاية، لأن التفاهم مع إيران لن يكون سهلاً

أعلنت إيران مؤخراً أنها استأنفت تخصيب اليورانيوم بنسبة 20%، في مخالفةٍ علنية للاتفاق النووي الذي ينصّ على ألا تزيد نسبة التخصيب المسموح بها عن 3.67%. وهذا القرار الإيراني المدروس بعناية، يشكل تحدياً مهماً وخطيراً لبايدن الذي يستعد لاستلام مهام منصبه.  

إذاً ماذا سيفعل بايدن تجاه هذا التطور الخطير؟ ليس بإمكانه تجاهله وكأن شيئاً لم يكن، لأنّ هذه الخطوة الإيرانية قد تتبعها خطوات ترفع نسبة التخصيب إلى مستوياتٍ أعلى حتى تقترب من نسبة الـ95% اللازمة لصناعة سلاح نووي.

ولكنّ أيدي بايدن مقيّدة وخياراته محدودة، فترامب وصل إلى الحدَّ الأقصى في سياسة الضغوط الاقتصادية والسياسية والعسكرية على إيران، بحيث أنه لم يعد أمام بايدن المزيد مما يمكن فعله ليضغط على إيران لردعها عن الاستمرار في زيادة خطوات التخصيب النووي.

المشكلة أمام بايدن كبيرة للغاية، لأن التفاهم مع إيران لن يكون سهلاً وما تضعه إيران من شروطٍ وطلبات يقترب من حالة "إعلان ندم" أو شبه استسلام من جانب أميركا فيما يتعلّق بالاتفاق النووي، والاقرار الأميركي بأنها – كدولة – أخطأت وتريد التراجع والاعتذار. وهذا صعبٌ جداً على بايدن وفريقه رغم خصومتهما لترامب وحزبه الجمهوري.

تعمل إيران وفق خطة عملٍ واضحة وتتخذ قراراتها بهدوء وبعد تحليلٍ عميق وواقعيّ للخيارات والاحتمالات. وأهم معالم خطة العمل الإيرانية هي إبراز عناصر الصمود، وحجم الكفاءة والقدرة العسكرية والدفاعية، ومدى التقدم التكنولوجي الذي وصلت إليه. والهدف واضح: ردع أميركا (وبالتبعيّة طبعاً الكيان الصهيوني) عن مجرد التفكير في الحل العسكري مع إيران أو مهاجمتها مباشرةً، ومن ثمّ الضغط عليها عن طريق خطوات تصعيدية تدريجية بطيئة ولكنها متواصلة في الملف النووي.

وفي خطابه التلفزيوني قبل بضعة أيام أوضح المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي ما ستكون عليه السياسة الإيرانية في عهد بايدن, إذ قال "لا نصرّ على عودة الولايات المتحدة للاتفاق، ولا نستعجل ذلك، ولكن لنا مطلباً منطقياً ألا هو رفع العقوبات". ووصف السيد خامنئي إقدام بلاده على خطوة زيادة تخصيب اليورانيوم بالقرار السليم والمعقول، وقال  "عندما لا يلتزم الطرف الآخر بمعظم بنود الاتفاق، لا معنى لالتزامنا" وأضاف "وإن عادوا عُدنا". ومن جهته، أكّد جواد ظريف على كلام المرشد وقال إنّ الولايات المتحدة "عليها التزامات يجب أن تنفّذها".

وفي خلاصة الموقف الإيراني، كما عبّر عنه المرشد وجواد ظريف أنّه على أميركا إلغاء جميع العقوبات الاقتصادية التي فرضها ترامب على إيران (بل ذهب بعض المسؤولين الإيرانيين إلى حدّ المطالبة بتعويضات) وإعلان عودتها الكاملة للالتزامات الموجودة في الاتفاق النووي، وبعد ذلك كله، تنظر ايران في إمكانية وقف خطواتها التصعيدية في مجال التخصيب؛ أي أنّ إيران ترفض قبول مجرد إعلان نوايا أو وعود أو تصريحات وديّة من جانب أميركا، وتصرّ على خطواتٍ ملموسة وحقيقية على الأرض قبل أيّ إعادة نظر. ومن نافلة القول أنّ أيّ شروط إضافية قد يطرحها بايدن وفريقه، مثل قيودٍ على البرنامج الصاروخي أو مناقشة دور إيران في المنطقة، لن تنظر طهران فيها من حيث المبدأ.

لقد صمدت إيران طوال أربعة أعوام أمام رئاسة ترامب وسياسته العدائية القاسية والفاحشة ضدها، وتحمّلت المعاناة الاقتصادية الشديدة، وتحدّت التهديدات والضغوط العسكرية، وتجاوزت كل ذلك بنجاح بل وحققت تقدماً في وضعها الإقليمي في المنطقة هي وحلفاؤها. وهي الآن تشعر بالقوة في مواجهة الرئيس الجديد وبأنها قادرة أن تصبر لفترة أطول حتى تعود أميركا إلى "رشدها" وتقدّم التنازلات المطلوبة. 

في نهاية المطاف، وبغض النظر عن الطرق والأساليب، لا تريد أميركا أن ترى إيران مسلّحة بقنبلةٍ نووية. ذلك كابوسٌ سوف يسعى بايدن لتجنبّه بكل وسيلةٍ ممكنة. وإيران تعرف ذلك.  

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
حسام عبد الكريم

كاتب وباحث من الأردن

إقرأ للكاتب

مفهوما "الاستكبار" و"المُسْتضعَفين" في أدبيات الثّورة الإيرانيّة

لنلاحظ لغة الإمام الخميني في خطابه يوم 16 تموز/يوليو 1979: "إنّ يومَ القدس يومٌ عالميٌّ، وليس...

ثورة الشّاه البيضاء وأحداث العام 1963 في إيران

من أهم "الإصلاحات" التي طرحتها ثورة الشاه البيضاء كان بيع المؤسسات والشركات الصناعية العامة...

الشّهيد الذي طال عمره أكثر ممّا توقع... قاسم سليماني

بعد انتهاء الحرب مع العراق، تابع قاسم سليماني مسيرته. لم يكن قادراً على التوقّف. إنه يؤدّي...

نهوض "الحركة الحوثية" في اليمن بشعار "الموت لأميركا" (2/2)

كانت السعودية تكتفي بالدعم المالي والعسكري لعلي عبد الله صالح وجيشه، ولكنها شعرت أخيراً أنّ صالح...

عن اليمن والغزو "الوهابي" السعودي (1/2)

بعد انحسار النفوذ العثماني في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وجدت الإمامة الزيدية في اليمن نفسها...

ليس مجرد تطبيع.. "بورتريه" للحسن الثاني

على الرغم من العلاقات السرية الوثيقة التي كان الحسن الثاني، قد نسجها مع "إسرائيل" إلا أنه لم يكن...