فلسفة الحياة في كتابة الأغنيات

 إسمه حسين السيّد، شاعر أغنية مصري مضى على وفاته ما يقرب من نصف قرن من الزمان، ومازالت أغنياته تذهل الناس لبساطتها. ما من أحد – أعتقد – يذهَل لأمر أكثر ممّا تذهلهُ البساطة. بالنسبة لي، أدهش أكثر قليلاً من سواي، لأني أحبّ البساطة  لأنها في صلب طبيعتي، ولأن هذا الرجل موضوع مقاربتي هنا، عبقري بساطة، ولأنه لا يتباسط عن عمد، بل يترك لنفسه أن تكتب مثل طفل، كما مثل عاشق، ومثل مخدوع، تماماً كما تقتضيه الطفولة الحقّة، ويقتضيه العشق، والهجر والخداع.

كتب السيد لليلى مراد ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ
كتب السيد لليلى مراد ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ

كتب حسين السيّد يوماً للمطربة الراحلة ليلى مراد " يا حبيب الروح فين أيامك"، تسأل ليلى مراد وتردف "وحشتني .. ووحشني خصامك . تسأله فين أيامك وتشكو إليه شوقها إليه وإلى خصامه وزعله حتى. هذا هو الحب في الخمسينات، وفي الستينات والسبعينات وفي الألفين ومائة، وفي كل العصور، وهو الحب على ما هو عليه، وكتبه حسين السيّد بكل ضعفه ورقتّه، وما من عنتريات في الحب، ليس أبداً.

كتب لمراد أيضاً "الحب جميل للي عايش بيه" .. صحيح هذا الكلام ، صحيح مليون بالمائة، وصحيح حين كتب لشادية تساؤلها المشروع "مين قلك تسكن في حارتنا، تشغلنا وتقّل راحتنا، يا تشوفلك حلّ في حكايتنا ياتعزّل وتسيب حتتنا" . حسين السيّد لم يجعل الزجر عنواناً لأغنيته، بل ضمنّها الدعوة المبطّنة إلى صلح ما، طريقة ما يهتدي إليها الحبيب الساكن في الشقة المحاذية، وتنبهه إلى المأزق الذي وضع حبيبته فيه، ليعاجل إلى إصلاح ذات البين بين قلبين مغرمين، وليس تهديدها له بـ "التعزيل" وإخلاء الحتّة سوى الإغراء الأكيد بدعوته إلى البقاء فيها إلى أبد الآبدين .

كتب السيّد لمحمّد عبد الوهاب  "بفكّر في اللي ناسيني/ وبنسى اللي فاكرني/ وبهرب من اللي شاريني/ وادوّر عللي بايعني". أليس الأمر على هذه الشاكلة دائماً؟ من يبذل روحه يقابَل بالصّد والنسيان، ومن يتنمّر على محبوبه يغدو مرغوباً ومعشوقاً؟ وهي دائماً أسرار النفس البشرية ودهاليز رغباتها ومشاعرها التي لا تستقر في الغرام على حال، من دون أن تخوض في مناورات وتكتيكات غرامية.

"البوسطجية اشتكوا من كتر مراسيلي" كتبها السيّد لرجاء عبده، والمطربة لم تقصد بشكل خاص شكوى سعاة البريد من رسائلها الكثيرة، بل تحاول إفهام حبيبها الأرعن حاجتها إليه وإلحاحها، هو الساهي عنها لايردّ على رسائلها ولا يتشحّر لأمر لا يعرفه إلا عالم الغيب والصدور. البوسطجية اشتكوا، مجرّد طريقة لقول من ضاقت بهم السبل، أن خلاص بقى ... ردّ يا أستاذ يا محترم، ردّ على رسائلي التي أقلقت السعاة والرايحيين والجايين حتى فاض بهم مني ومن مكاتيبي.

عندما أسمع أغنية وأتفاعل بُشراً مع كاتبها، أعرف أنها لحسين السيّد من دون أن يذكروا اسم شاعر الأغنية، وأعاود إيماني بمثل هذه المشاعر الصافية التي لا تني تهرب منّا، وتختفي من أيامنا يوماً إثر يوم، وفتوى إثر فتوى، وحرباً إثر حرب، وعنفاً ومكراً وكذباً.

كتب حسين السيّد ما تعداده ألف أغنية على ما يقول مؤرشفو أعمال الرجل، وكتابته أظهرت أبعاداً في شخصيته التي لم تكن رومانسية فحسب، بل وخفيفة الظل أيضاً كما حين كتب "أبجد هوّز حطّي كلمنٌ/ شكل الأستاذ بقى محترمٌ"، أغنية ليلى مراد الخفيفة في "غزل البنات" مع ملك الكوميديا حينها الراحل نجيب الريحاني الذي جاراها في أداء كتبهُ له السيّد "عيني بترف وراسي بتلفّ وعقلي فاضللو دقيقة ويخفّ".

علاقة محمّد عبد الوهاب المتطلّب، الحريص حد الهوس على فنّه، مع كلمات حسين السيّد، كانت حميمة، وتظهّرت في الكمّ الهائل من الأغنيات التي كتبها السيّد لعبد الوهاب. من يذكر "أحبه مهما أشوف منّو" أو "أحبّك وانت فاكرني وأحبك وانت ناسيني" و"اسمح وقوللي يانور العين" و"أنا اللي طول عمري ما حبيت" و"إيه جرى يا قلبي" و"بفكر في اللي ناسيني" و"بلاش تبوسني في عينيّ" و"حكيم عيون" و"على إيه بتلومني"إلى الكثير الكثير من روائع عبد الوهاب التي صمدت حتى الآن، وقائمة كلماتها على المفارقة أساساً، وحسّ الفكاهة، ونظرة حسين السيّد نفسها إلى الحياة.

أيضاً، كان السيّد سيداً في كتابة الأغنيات العائلية، التي خصّ فايزة أحمد بالكثير منها، فوزّعتها على كل فرد في عائلتها وعوائل الناس ابتداء من "ست الحبايب"، إلى "ياحبيبي ياخويا وسائر الأسرة"، مع "خيي خيي" لعبد الوهاب .. ثم "أمّورتي الحلوة"، و"آكلك منين يا بطّة"، أغنيات كتبها للمطربة الراحلة صباح في تدليع ابنتها هويدا وبنات العالم معها، كما كتب للأطفال أغنيات لحّنها وغنّاها المطرب محمّد فوزي "ذهب الليل وطلع الفجر" ... و"ماما زمانها جاية"، فيما اختصّ بالغرام الثقيل المطرب عبد الحليم في أغنيات من وزن "أهواك"، و"فاتت جنبنا" .. وسواها .

رحل السيّد عن عالمنا عام 1983 وما كتبه للمطربين لا يتّسع المجال له هنا.

سرّ تألّق كلمات أغنيات السيّد متأتٍ من السيّد نفسه، من شغفه بكتابة هذا الصنف من الشعر، وتضمينه تلك الروح الساخرة من" العواطف الكبيرة " بنوع خاص، مكتفياً بوصف الغرام كما لو كان حالة سوء تفاهم، لكنه يثمر ويدوم من خلال "تبسيطه" وعدم تأليهه، وجعله حالة يعيشها كل منّا، بكل ارباكاتها وأسئلتها والتهكّم عليها ومن ثم الضحك منها. لا يحب السيّد مُخاطبة المعشوق بـ "أراك عصيّ الدمع شيمتك الصبر، بل يسأله بودّ وبلغة الحياة العادية "اسمح وقوللي يانور العين/ "حشوفك إيمتى وأقابلك فين"؟

حسين السيّد شكراً لك على كل تلك المشاعر الطيّبة، لو تعرف فقط مدى صعوبة المشاعر الآن التي كنت تحكي عنها ببساطة، مدى صعوبة البوح الصادق واستحالة أن تحصل لنفسك وبنفسك على مجرّد الحب العادي الجدير بكل كائن. أعني كم أصبح صعباً أن تحارب المكر والبلادة التي تنشأ في ظل انطفاء القلوب، وكم صعبة رغبتك بالألفة والصداقة والسلام ... من دون فذلكة.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
عناية جابر

شاعرة لبنانية عملت في مجال الصحافة. كتبت في السفير اللبنانية والقدس العربي اللندنية كما لديها العديد من الكتب الشعرية. عنوان مدونتها الشخصية: http://inayajaber.wixsite.com/inaya

إقرأ للكاتب

مصطلحات سادت ثم بادت

كانت اللغة تتحدّث عن احتلال الصهيونية لأرض فلسطين، فصارت تتقبّل مصطلح العودة. حقوقياً الفارق...

عندما لا تعتقد بجدوى الاحتجاج

أن نتجمهر، أن نحتشد وندعو إلى التظاهر والمسيرات لغرض ما ، فليس هذا بالضرورة كل ما يجب علينا...

مهرجاناتنا الصيفية والسؤال القديم

بيروت الجميلة أصبحت تُشعرنا رغم مهرجاناتها وكل الأشكال البرّانية الآتية من خارجها، أننا في...

فلسطين وسيرتها التاريخية والراهنة

لكل بلد في العالم سيرتان: تاريخية وحاضرة، والحديث في الغالب عن فلسطين (على الشاشات أعني) لا يجري...

المونديال بعيونِ امرأةٍ تعشق الجمال

ثمة من يقول بزمن المواهب الكروية الذي لا بّد ولىّ وانتابهُ الهمود. تحوّل من إعصار فنيّ إلى نبضِ...

الذاكرة العربية المنخورة

ما نحملهُ من تاريخ والتاريخ ذاكرة، لا يعدو أن يكون قبوراً كثيرة، وكلاماً مبحوحاً وذكريات...