مذكرات أوباما: الأسرار والخفايا

أصدر باراك أوباما الجزء الأول من مذكراته سيرتَه من طفولته إلى مايو أيار ألفين وأحد عشَر 2011 حين اتخذ قراره بتصفية زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن يتحدث الرئيس الرابع والأربعون في "أرض الميعاد" كأنه مفكر وفيلسوف وعالم اجتماع.

 

كمال خلف: سلام الله عليكم مُشاهدينا. أصدَرَ "باراك أوباما" الجزء الأوّل من مذكّراته، سيرته منذ طفولته إلى مايو/ أيّار 2011 حين اتّخذَ قراره بتصفية زعيم تنظيم "القاعدة" "أُسامة بن لادن". تحدّث الرئيس الرابع والأربعون في كتابه "الأرض الموعودة" كأنّه مُفكِّرٌ وفيلسوفٌ وعالِمُ اجتماع لاسيّما عند توصيفه للواقع الأميركي والانقسام الحاصل في شكلٍ خاص مع خليفته "دونالد ترامب". ولعلّ مُلاحظاته عن كبار رجال الدولة الأميركيّة والسياسيين الأجانب الذين قابلهم تستحقّ الاهتمام وتُشيرُ إلى جانبٍ ساخِرٍ يمتلكه الرئيس السابق وقدرة لاذِعة على توصيف الآخرين. ما يهمّنا في مُذكّرات مَن حكَمَ البيت الأبيض لثمانية أعوام هو أداؤه بالنسبة إلى قضايانا هنا في المنطقة، فقد أشار إلى تحكُّم اللوبي الصهيوني في صنع القرارات وسياسة البيت الأبيض خصوصاً تجاه (إسرائيل). على الرغم من أنّ الكتاب يوضِّح انطباعات شخصيّة أكثر من تفسير وشرح سياسات وقرارات إلا أنّ "أوباما" ظهر وكأنّه مراقب للأحداث أكثر منه فاعلٌ فيها وهذا يتّضح في ما وصفه بـ "الربيع العربي" وسقوط أو إسقاط أنظمة في عام 2011، ويعترف أنّه اتّخذ قرارَ تنحّي "مُبارك" وقصف (ليبيا)، ويَذكُر وجهة نظره بـ "الإخوان المُسلمين" و"إردوغان" والإسلام السياسي والأُصوليّ وكيف رأى (السعوديّة) ودورها. بالتالي، ماذا يُمكن أن نستخلص من هذه المُذكِّرات وكشفِه لبعض الحقائق وإخفاء تفاصيل ربّما يذكرها في الجزء الثاني؟ وهل يُقدِّم "أوباما" نفسه عرّاباً لنائبه السابق "جوزيف بايدن"؟ وهل ينتهج الرئيس الجديد عقيدة "أوباما" أو ما يُعرَف بـ "عقيدة أوباما"؟ مُشاهدينا، في هذه الحلقة من "لعبة الأُمم" نناقش مُذكّرات الرئيس الأميركي الأسبق "باراك أوباما" وأبرز ما ذكره الكتاب. سيكون معنا في هذه الحلقة المؤرِّخ والكاتب السياسي الدكتور "كمال خلف الطويل" الذي سيطلّ معنا من (واشنطن)، وهنا في الاستديو الكاتبة الأميركية "آبي سيويل" 

المحور الأول:

كمال خلف: أحييكما ضيفيّ العزيزين. مساء الخير سيّدة "سيويل" وأيضاً دكتور "كمال خلف الطويل". مُشاهدينا، "الأرض الموعودة" هو كتاب "باراك أوباما"، حقّقت هذه المُذكّرات مبيعات وصلت إلى نحو 890 ألف نُسخة في (الولايات المتّحدة) و(كندا) خلال أوّل أربع وعشرين ساعة فقط من طرحها في الأسواق. بلا شكّ هو رقم قياسي لدار نشر ومن المُتوقّع أن يحتلّ هذا الكتاب "الأرض الموعودة" مرتبة المُذكّرات الرئاسيّة الأكثر مبيعاً في التاريخ. لماذا؟ هذا ما سنعرفه في هذه الحلقة، أيضاً سنناقش ما ورد في الكتاب. أعود وأُرحِّب بكِ سيّدة "سيويل"، لماذا هذا الكتاب الأكثر مبيعاً؟ ما هي مُميّزات "باراك أوباما" حتى يكون هذا الكتاب في هذا الشكل من الإقبال على اقتنائه وشرائه فور صدوره؟   

آبي سيويل: أولاً شكراً لك، أنا مسرورة جداً في أن أكون معكم 

كمال خلف: أهلاً وسهلاً 

آبي سيويل: أريد أن أُكمِل بالإنكليزية من أجل أن أعبِّر عن نفسي أحسن

كمال خلف: كما ترتاحين 

آبي سيويل: تمام. طبعاً لأنّ الرئيس "أوباما" كان رئيس (الولايات المتحدة) ولأن مَن تلاه هو رئيس كان يدور في شأنه الجدل الأكبر لذلك حظيَ كتابه باهتمامٍ كبير لأننا خرجنا من أربع سنواتٍ كان فيها الكثير من المحطّات بعد فترة وولاية "أوباما". يُمكن أن نقول إنّ (الولايات المتّحدة) تمرّ في فترةٍ حاسمة جداً وهذا هو السبب الذي يجعل هناك اهتمام كبير بهذا الكتاب 

كمال خلف: عادةً دكتور "كمال"، إذا كان يسمعنا دكتور "كمال"، جاهز معنا الدكتور "كمال"؟ 

كمال خلف الطويل: نعم أسمعك 

كمال خلف: دكتور حيّاك الله 

كمال خلف الطويل: أهلاً وسهلاً، مرحباً 

كمال خلف: لم نتمكّن من الترحيب بك قبل الحلقة، ربما كنت تستعِدّ للظهور في هذه الحلقة. لكن دكتور، المُذكّرات حتماً اطّلعت عليها أو قرأتها أو حتى كُتِب الكثير من المحطّات في هذه المذكّرات، هل تعتبرها مُذكّرات ممتعة؟ لافتة؟ فيها أسرار؟ عادةً عندما قرأنا مُذكّرات "هنري كيسنجر" وقرأنا مُذكّرات الكثير من السياسيين في (أميركا) وغير (أميركا) بدأنا نعرِف أو اطّلعنا على أسرار لم نكن نعرِفها في ذلك الوقت أو كان تفسيرها مختلفاً، أو كانت هناك أشياء لم نكن نعرِف كيف صُنِعت أو كيف اتُّخذ فيها القرار. هذا ينطبق على مُذكّرات "باراك أوباما" في تقديرك؟ 

كمال خلف الطويل: عملياً، أولاً المُذكّرات لم تنتهِ بعد، هناك جزء ثانٍ وأعتقد أنه هو الذي سيكون الأدسم لأنّ فيه سيتعرّض للقضايا الرئيسة التي انخرط فيها بدءاً من الحرب في (سوريا) ومروراً. ثمانمئة وتسعون أو قرابة تسعمئة صفحة هي في الحقيقة سرديّة تسجيليّة أكثر مما أنّها تحليليّة، بمعنى هو يسرُد في التفصيل لا أقول المملّ لكن نقول في سرد تفصيلي كل ما حدث معه من حقائق وحوادث. لكن أنا أقول التالي: هناك محطّات كان مروره عليها عابراً مثل موضوع (إندونيسيا) مثلاً، موضوع الصلة بزوج والدته، موضوع ما كان يفعله زوج والدته الإندونيسي ووالدته نفسها وخلفيّتها، موضوع جدّه لوالدته وخلفيّته، هذا كلّه لم يتناوله في شكلٍ من الأشكال، وأنا أعتقد أنّه سيأتي وقت نتحدّث فيه بتفصيل أكثر عن هذه المسائِل لأنّها ذات صلة. بالنسباء إلى أشياء مُستجدّة أو جديدة أو فيها ما هو جديد دعنا نقول، ليس الكثير لكن قد تكون هناك حيوية في تفصيله النسبي لوقائِع الخلاف أو التبايُن دعنا نقول الذي جرى حول كيفية التعامل مع موضوع "الربيع العربي" سيّما مصرياً وبعض الشيء ليبياً

كمال خلف: سنتحدّث عن هذا دكتور، (مصر) (السعودية) (سوريا) (البحرين) وأيضاً العلاقة مع (إسرائيل)، وهي من المواضيع اللافتة المتعلّقة بالمنطقة التي تحدَّث عنها. لكن قبل ذلك دكتور، هو تحدَّث عن شيء هام للغاية هو حديث الساعة الآن في أوساط الرأي العام وهو ما يجري داخل (أميركا) أو ما يُمكن أن نعتبره انقساماً داخل (أميركا). إسمح لي أن أعرِض بعضاً مما قاله في هذا المجال ثمّ نتناقش فيه مع حضرتك ومع السيّدة "سيويل" هنا. مُشاهدينا، "الانقسام في (الولايات المتّحدة الأميركية) الأكثر خوفاً هو ما وصلت إليه الديمقراطية الأميركية التي كانت تقف على حافّة الانهيار وتعيش أزمة مُتجذّرة"، هكذا يقول الرئيس، "في التنافس الرئيسي بين رؤيتين مُختلفتين لـ (أميركا) وهي أزمةٌ أدّت إلى تقسيم المؤسّسة السياسية وزيادة الغضب وعدم الثقة، وسمحت بانتهاك القِيَم الديمقراطيّة والمؤسّسات. هذا التنافس ليس جديداً بالطبع لكنّه في طرق أُخرى علَّم التجربة الأميركية، وهو متجسّدٌ في الوثائق المؤسّسة التي أعلنت في النهاية أنّ الجميع متساوون لكنّها تعاملت مع الرقيق على أنّه ثلاثة أخماس رجُل. أعرِف أنّ عملية انتخابية واحدة لا تكفي لحلّ الأزمة، فانقسامنا عميق وتحدّياتنا صعبة، ولو كنتُ متفائِلاً بالمُستقبل فهذا بسبب أنني تعلّمتُ الإيمان بإخواني المواطنين خصوصاً الجيل الآتي الذين يؤمنون بقيمة المُساواة بين الناس كجزء من طبيعتهم الثانية ويؤكّدون على تحقيق المبادئ التي علّمهم إياها آباؤهم وأساتذتهم وقالوا لهم إنّها صحيحة لكنّهم لم يؤمنوا بها في شكلٍ كامل". هذا مقطع من "أرض موعودة" يتحدّث فيه عن الانقسام الحاصل في (الولايات المتّحدة). سيّدة "سيويل"، يقول الرئيس إنّ انتخابات واحدة لا تكفي لرأب الصَدْع في (الولايات المتّحدة)، إذاً ماذا يريد أن يقول الرئيس حول عُمق هذا الانقسام الموجود حالياً في (أميركا) والذي أظهرته في شكلٍ كبير الانتخابات الأخيرة؟                   

آبي سيويل: إنّ أصعب الانقسامات التي نراها في (الولايات المتّحدة) الآن تتعلّق بالمسائل العُنصريّة. عندما انتُخِب الرئيس الأميركي "أوباما" قال أشخاصٌ كثُر إنّ (الولايات المتّحدة) قد مضت قُدُماً في مجال العُنصريّة وتخطّتها، ولكن بعد أحداث السنوات الأخيرة بدا أنّ هذه الانقسامات ما زالت موجودة وهناك هذا الإرث من العُنصريّة الذي لم يتمّ التعاطي معه بعد. ما كان "أوباما" يُحاول أن يُعبِّر عنه في ما كتبه هو أمله في (الولايات المتّحدة)، ولكنّه أدرك أنّه حتى في ذلك الوقت لم تكن هذه هي الحال بل كان هناك هذا التطلّع الذي كان يسعى إلى أن يتحقّق. وإذا ما نظرنا إلى هذه السنوات الماضية نرى أنّ هذا ما زال طموحاً يتمّ السعي إليه 

كمال خلف: من وجهة نظركِ سيّدة "سيويل"، فوز "جو بايدن" لا يحلّ المشكلة كما يُصوَّر الآن في (الولايات المتّحدة) أو أن فريق "جو بايدن" يُصوِّر ذلك، أنّ (أميركا) عادت إلى السكّة الطبيعية، أيّ أنّهم أعادوا الأمور إلى نصابها. هل الأمر كذلك من وجهة نظركِ؟ أم ما حصل من انقسام سوف يستمرّ ربما في إدارة "بايدن" وربّما بعدها في الانتخابات المقبلة في 2024 سنشهد أيضاً المزيد من هذا الانقسام أو سيظهر المزيد من هذا الانقسام؟  

آبي سيويل: نعم، أعتقد أنّ هذه الانقسامات سوف تستمرّ. "بايدن" قد جعل جزءاً من سياسته أنّه سيحاول أن يوحِّد (الولايات المتّحدة) فيما "ترامب" وغيره من الأشخاص قد نجحوا سياسياً من خلال تقسيم (الولايات المتّحدة). ولكن الانقسامات موجودة حالياً في (الولايات المتحدة) ولا أدري إن كان رئيس واحد أو ولاية رئاسية واحدة قادرة على تغيير كل شيء في طريقة جذريّة!

كمال خلف: نعم. دكتور "كمال"، حول الانقسام وحولَ ما قيل من أنّ "باراك أوباما" أجّل إصدار الكتاب إلى حين اتضاح نتائِج الانتخابات الأميركية لأنّ داخل الكتاب كثير من الأشياء التي لن تكون لصالح "جو بايدن"، منها الموقف من تصفية "أُسامة بن لادن"، وكان "جو بايدن" يُعارِض ذلك. هل تعتقد أنّ هناك مُراعاة للتوقيتات في إصدار هذا الكتاب؟ وأيضاً حول الانقسام في (الولايات المتّحدة)، هل تشخيص "باراك أوباما" لهذا الانقسام في الكتاب هو تشخيص دقيق وواسع ومنطقي؟ 

كمال خلف الطويل: بدايةً، حول موضوع موعد النشر، أعتقد له علاقة أكثر بأنه أراد لكتاب زوجته أن ينفُذ أولاً ويرى المبيع قبل أن ينزل بكتابه الذي يعرِف تماماً أنّه سيكون أكثر وقعاً وطلباً من الجمهور، هذا أولاً. بالنسبة إلى قصة أنه من أجل ألا يُزعِل "بايدن"، أرى هذه القصة أقلّ أهمية بكثير من الموضوع الأول. أمّا بالنسبة إلى الانقسام، هو تحدّث في شكلٍ مُركّز عن المسـألة العرقيّة. كان كأنّه يقول إنّه كان هناك عدم ارتياح لدى البيوت إجمالاً أن يكون هناك شخص داكن السُمرة ويكون رئيس البلاد. في تقديري هذا أحد العوامل وهو عامل وازِن لكن أكيد ليس حاكماً لسبب بسيط؛ أولاً، أصحاب البشرة البيضاء أنفسهم منقسمين عامودياً وبنِسب تكاد تكون غير متساوية بعض الشيء لكنها مُتقارِبة، هذا أولاً. ثانياً، المسألة أوسع وأبعَد بكثير من فقط حساسية تجاه شخص أسود البشرة، وهذا موجود. هي أبعد بكثير من هذا ولها علاقة بكتلة ضخمة جداً من البشر، والأرقام أمامنا. لحدّ الآن هناك 74 مليوناً وأعتقد مع النهاية ستكون بحوالى 75 مليوناً من الذين قالوا "لا لرمز المؤسّسة الحاكمة التقليدية" وهو "بايدن"، أكثر من الذين قالوا نعم لـ "ترامب" في تقديري. لماذا قالوا لا؟ لأنّ هؤلاء عبر حوالى تقريباً، منذ حوالى تقريباً على الأقل منذ نهاية الحرب الباردة إلى اليوم، وهم يصطدمون بالجدار عبر هذه المؤسّسة الحاكمة، سواء جرّاء حروب متوالية وإنفاقات على حروب لا تنتهي وبالتوازي تلك الكارثة المُحقّقة التي لحِقت من جمهور واسع من الوسط الجغرافي الأميركي جرّاء العولمة. بالتالي، المسألة لها أبعاد ليست مُقتصِرة فقط على حساسية نحو شخص أسوَد أو نحو لاتيني أو نحو لا أدري مَن، بدليل أنّ هذا الصوت المُحتجّ الرافض للمؤسّسة ولإعلام المؤسّسة ولرموز المؤسّسة وما يُدعى بـ Beltway في (واشنطن) أي هؤلاء الذين يمارسون السياسة. هذا الرفض جذري وفي اعتقادي أنّه لن يُحلّ خلال أربع سنوات 

كمال خلف: هناك مُلاحظة أيضاً دكتور، خلال أربع سنوات من حُكم "دونالد ترامب" لم نكن نسمع أخباراً عن "باراك أوباما" مثل باقي الرؤساء الأميركيين الذين يُغادرون بعد ولايتين ثمّ لا تسمع عنهم إلا إذا كتبوا مذكّرات وإلى آخره. لكن في مُجرّد فوز "جو بايدن" بدأ الحديث عن "باراك أوباما" مرّة أُخرى، كأنّ "جو بايدن" هو امتداد لـ "باراك أوباما" أو أنّ ظِلال "أوباما" ستكون في هذه الأربع سنوات المقبلة 

كمال خلف الطويل: يستطيع "جو بايدن" طبعاً أن ينفي مقولة أنّه استمرار لنهج "أوباما" وأن يقول بأنه شخص حر بنفسه. طبعاً هناك مُتغيّرات، لا شكّ، وبالتالي مواجع أخينا "أوباما" عبر ثماني سنوات تختلف بعض الشيء هنا وهناك عن الذي يواجهه الآن أخونا "بايدن". ولكن في شكلٍ أو في آخر سواء قال لا أم قال نعم هو استمرار لنهج "أوباما". أظهر "أوباما" هذا السكون وليس السبات، دعنا نقول السكون الذي حمله لأعوام أربعة كان مقصوداً بحيث لا يبدو وكأنه محرِّك الحوادث، دع الأمور تمضي إلى أن يأتي وقت كلّ ما هنالك من مكرٍ وحسابٍ جيد للمسائل. ألآن، القوّة التي وراء العرش بين قوسين هو "أوباما" بزخمه كلّه سيّما وأنّ عند النصف الآخر من الجمهور، أعني عند النصف الذي لا زال يعلِّقُ آمالاً على مؤسّسة حاكمة متجدّدة دعنا نقول، لا شكّ أنّ الذي يُنظر إليه هو " من أجل خاطر هذا ممكن أن نبتلع ذاك"، بمعنى أنّ "أوباما" الذي استطاع أن يُظهِر سيّما في الأيام الأخيرة من الحملة ألا تخشون بأساً من شخص وظيفته العقلية متردّية قليلاً ولا من بنت جديدة في المسائل السياسية ولا تفهم بالسياسة الخارجية كثيراً ولا تفهم في الاقتصاد كثيراً، وأنا، أي "أوباما"، موجود وطاقمي في شكلٍ أو في آخر وحتى ما أخذته من أيام "كلينتون" موجود وصاحب بأس وعنده خبرة 

كمال خلف: هنا نسأل السيّدة "سيويل"، التوصيف الحالي داخل (أميركا) بأننا أمام ولاية ثالثة لـ " باراك أوباما"، هل هو توصيف منطقي؟ أعني مَن يُطلقه مُحق في إطلاقه وفي أن يقول إنّنا أمام ولاية ثالثة لـ "باراك أوباما" لكن عبر "جو بايدن" رغم نفي فريق "جو بايدن" ونفي "جو بايدن" لذلك، لكن في الأمر الواقع الأمور هكذا؟

آبي سيويل: لا أعتقد، لأنّ أكيد سياسة "بايدن" تشبه سياسة "أوباما" وهو كان نائب "أوباما" وكانت علاقتهما جيدة، لكن من اللازم أن نتذكّر أنّ "بايدن" كان موجوداً في مجلس الشيوخ من زمان قبل أن يصبح "أوباما" رئيساً، وهو عنده أفكاره التي ربما تتشابه مع أفكار "أوباما" لكن ليس في كلّ التفاصيل. أظنّ أنه في إمكاننا أن نتوقّع وجود تشابُه في إدارة "بايدن" 

كمال خلف: تشابُه واختلاف؟

آبي سيويل: نعم، لكن ليس في كلّ التفاصيل، أعني لا أظن أنّ هناك Copy – Paste 

كمال خلف: تعنين أنّ "بايدن" سيتمكّن من خطّ سياسة مُستقلّة خلال ولاية السنوات الأربع في تقديرك؟ ممكن ذلك؟ 

آبي سيويل: أظنّ ذلك. أكيد عند "بايدن" أفكار تتشابه مع أفكار "أوباما" لكن أيّ رئيس أيضاً ينطلق من أفكاره الخاصة. أكيد "بايدن" لا يريد أن يظنّ الناس أنه "أوباما" رقم إثنين، فأظنّ أننا سنرى أنه سيحاول أن يقوم بشيء مختلف، لكن في شكلٍ عام أظن أننا سنرى اختلافاً في سياسة "بايدن" أكيد

كمال خلف: قال "جو بايدن": نحن أمام عالم مُختلِف اليوم عن ولاية "أوباما"، القضايا اختلفت والأحداث اختلفت. في هذا الكتاب أيضاً ضيوفي ومُشاهدينا كان هناك شيء لافت للغاية يهمّ منطقتنا وشعوبنا هي العلاقة مع (إسرائيل)، علاقة (الولايات المتحدة) مع (إسرائيل). في الحقيقة هذا الجزء هو أكثر ما أثار اهتمامي في الكتاب وربما اهتمام كثيرين أيضاً مثلي لأنّه يقول إنّ (إسرائيل) تؤثِّر في القرارات الأميركية، أو أنّ اللوبي الصهيوني أو اللوبي داخل (إسرائيل)، " الأيباك" في شكلٍ أساسي، لها علاقة في صنع القرار داخل (الولايات المتحدة)، وربما "باراك أوباما" تحدّث عن هذه المسألة. يقول في الكتاب الرئيس "أوباما":  "اللوبي الصهيوني في (أميركا)، أنصار (إسرائيل) في (الولايات المتّحدة) يستخدمون الاتهامات بمُعاداة الساميّة من أجل إسكات النقد الموجّه إلى السياسات التي تُمارسها الحكومة الإسرائيليّة ضدّ الفلسطينيين. إنّ السياسيين الأميركيين الذين ينتقدون السياسة الإسرائيلية بصوتٍ مُرتفع يُخاطرون بأن يوصموا بمُعاداة (إسرائيل) ومن الممكن أيضاً مُعاداة الساميّة، ويواجَهون في الانتخابات التالية بخصم التمويل". طبعاً هناك كلام أكثر من هذا حول العلاقة والطريقة لكن ربما اختصرناه بهذه الفِكرة. آخذ رأيك سيّدة "سيويل" في هذه المسألة. أن نتحدّث كمراقبين أو حتى كسياسيين في منطقتنا العربيّة أو حتى في مناطق أُخرى مثل في (أميركا اللاتينية) عن تحكّم (إسرائيل) في (الولايات المتّحدة) أو أن ننتقد (إسرائيل) فهذا مُكلِف، هذا أمر طبيعي. لكن أن يتحدّث رئيس (الولايات المتّحدة) عن هذا الأمر، أي أنك لا تستطيع أن تنتقد السياسات الإسرائيلية، مُجرّد نقد، لأنّ هذا سوف يأخذك إلى حملة شرسة تصل في نهاية المطاف إلى أنّك مُعادٍ للسامية. هذا كلام رئيس أميركي أليس كذلك؟ في النهاية هذه لأول مرة تحصل؟

آبي سيويل: أكيد ليس سراً أنّ اللوبي الذي يدعم (إسرائيل) عنده نفوذ قوي في (واشنطن) وهو ليس اللوبي الوحيد في (واشنطن) أكيد، لكن بالتأكيد عنده تمويل وعنده نفوذ في (واشنطن) مع أنني أظن أنّك إذا نزلت إلى الشارع في أيّة مدينة في (أميركا) وسألت أيّ مواطن أميركي، على الأغلب لا تهمّه (إسرائيل)، وفي صراحة لا تهمّه (فلسطين) ولا تهمّه السياسة الخارجية في شكلٍ عام، لكن في داخل (واشنطن) اللوبي أكيد عنده 

كمال خلف: هو يقول، وهنا إسمحي لي أن تتحدّثي بالإنكليزية لأنّ المسألة هنا تفصيلية وربما تعبيراتكِ في اللغة الإنكليزية تكون أدقّ. هنا يتحدّث الرئيس عن أنّ "الأيباك" يُجاري اللوبي المؤيِّد لـ (إسرائيل) داخل (أميركا) ويُجاري (إسرائيل) في توجّهات قادتها نحو أقصى اليمين، بمعنى أنّ هناك يميناً متطرّفاً الآن في (إسرائيل)، فـ "الأيباك" المُناصِر لـ (إسرائيل) في (أميركا) ذهب معه وأصبحَ متشدّداً مثله حيال سياسات أيّ رئيس. هذا ما يحصل فعلاً في (الولايات المتّحدة)؟ 

آبي سيويل: لا يمكنني التحدّث بذلك في شكلٍ مباشَر ولكنني سوف أتحدَّث عمّا قرأته في الكتاب عندما قال الرئيس "أوباما" إنّه منذ أن وصلَ "نتنياهو" إلى الحُكم أخذَ السياسة في (إسرائيل) إلى اليمين، وعلى هذا الأساس مالَ اللوبي الصهيوني في (الولايات المتّحدة) مع هذه السياسة. ولكن حتى لو شعَرَ الرئيس الأميركي أنّ سياسة (إسرائيل) ليست في مصلحة (الولايات المتّحدة) هو يعرِف أنّه إذا ما تحدَّث ضدّ ذلك فسوف يواجه حملةً ضدّه في هذه الحال

كمال خلف: دكتور "كمال"، مسألة أن يتحدَّث الرئيس الأميركي عن ذلك يُمكن أن نعتبره حدثاً فريداً من نوعه؟ أن نسمع من رئيس أميركي يتحدَّث عن سطوة اللوبي الداعم لـ (إسرائيل) داخل (الولايات المتّحدة) بهذا التفصيل؟ أعني المُثير للانتباه فعلاً القول بأنّ رئيس (الولايات المتّحدة الأميركية) ليس حرّاً في انتقاداته أو في تشخيصه تجاه (إسرائيل) لأنّه سيواجَه باتهامات، هو يقول إنّها حتى تُحرَّف. بمعنى إذا كنت تنتقد السياسات الإسرائيلية تأخذ الأمور منحىً آخر وتُتّهم بمُعادة السامية وإلى آخره

كمال خلف الطويل: عزيزي سأُجيبك في شقّين لكن قبل أن أُجيبك على هذه الناحية المهمة جداً أريد فقط أن أقول بالنسبة إلى موضوع العلاقة بين "أوباما" و"بايدن" إنها علاقة كما نقول بالإنكليزية Variations on the team، يعني هي منهج واحد أو منهاج واحد والقراءات قد تكون مُتباينة حسب الظرف المُتغيِّر لا أكثر ولا أقلّ، هذا واحد. بالنسبة إلى موضوع ما يُسمّى اللوبي الصهيوني وتعليقه عليه وطبعاً توجد قرابة نسبية فيه ربما "كارتر" سبق وتحدَّث عنه، لكن نعم هناك نوع من ليس الشجاعة لأنّ المسائِل لا تقاس بالشجاعة والجُبن بمقدار ما تُقاس بما تمثله. ماذا تُمثِّل؟ لماذا يأتي الآن ويقول: "يا أخي هؤلاء الإسرائيليون وجماعتهم وإلى آخره"، هذا لأنّه كما هناك انقسام في المُجمّع السياسي الأميركي على خطوط عدّة، تحدّثنا عن العولمة وتحدّثنا عن موضوع الحروب وتكاليفها ومسائِل عديدة والمسألة العِرقيّة وإلى آخره. لكن هناك أيضاً شيء إسمه انقسام ذراعي يهودي للمؤسّسة، انقسامها على صورة المؤسّسة. يعني لم يعُد هناك لوبي إسرائيلي واحد أو لوبي صهيوني واحد أو لوبي يهودي واحد، هناك لوبيان. "أوباما" بما يمثله في المُجمّع السياسي الأميركي، هذا القسم التقليدي له الذي هو دولة الأمن القومي أو سمِّها ما شئت، الدولة العميقة وكل هذا، في هذه لم تعُد "الأيباك" الذراع اليمينية اليهودية سواءً الإسرائيلية أم الأميركية، لم تعُد "الأيباك" هي مكان الهوى بل على العكس صارت الخصم الذي يكاد يكون التليد. الذي الآن يُمثّل الشق اليهودي من المُجمّع السياسي الأميركي هي "جاي ستريت"  

كمال خلف: لكن هنا دكتور، المدّ الذي أعطاه "دونالد ترامب" لـ (إسرائيل) في الآونة الأخيرة كان أكثر مما كانت تتوقّعه. بمعنى، (إسرائيل) حصلت من إدارة "دونالد ترامب" على أكثر ما كانت تريده، (القدس) موحّدة، (الجولان)، "صفقة القرن"، العلاقات مع دول عربيّة، الضغط حتى آخر ثانية على (السعودية) كما ترى هذه الأيام، هذا ألن يكون مُشكلة لـ "جو بايدن" لاحقاً؟ أيّاً كان سيُعطي الإسرائيليين لاحقاً سيقولون له: "هذا قليل"، بمعنى أنّه أصبحت لدى "جو بايدن" مُشكلة هنا في التعاطي مع (إسرائيل) بعدَ المدّ الذي حصلت عليه خلال السنوات الأربع الماضية 

كمال خلف الطويل: هنا أيضاً أريد أن أقول لك جوابي من شقّين، هو أعطي لـ (إسرائيل) خاصته، لتلك الـ (إسرائيل) التي على صورته، التي منها يريد أو بها يريد أن تكون وكيله الإقليمي في المنطقة المُكلّف في مسائل الإقليم من (باكستان) إلى (موريتانيا) ليتخفّفوا كأميركيين من أثقال تلك المنطقة، يمارسون السيطرة عليها ولكن من خلال الوكيل الإسرائيلي، بينما الشق التقليدي الذي الآن عاد إلى الصدارة يرى الأمور بمُقاربات تختلف. الآن هو مُربَك، ما تفضلت به الآن هو صحيح، في هذا الشق الآن هو مُربَك وسيقوم بأشياء تجميلية من دون شكّ في ذلك ويفتح القنصليّة مرة أُخرى في (القدس) الشرقيّة ويُعيد المعونات للسلطة الفلسطينية وربما حتى "على حبّ النبي" كما يقولون القليل من المُساعدات العينية الإنسانية بين قوسين لـ(غزَّة) واعتراف جديد بأن المفاوضات يجب أن تعود ولا أدري ماذا. لكن في تقديري الشخصي، ما لم تتغيّر موازين القوى على الأرض في الإقليم في شكلٍ أو في آخر ويتغيّر وضعها الحالي سيعتبر أنّ المشكلة ما زالت قائمة، بعد كل هذه التحسينات التجميلية هي Frozen contract أو مُشكلة مُجمًّدة كما حال مثلاً شرق (أوكرانيا) والصراع بينهم وبين الروس حولها وأماكن أُخرى، ممكن أن نقول حتى (بيلا روسيا). في معنى آخر، أنا أُعيد بعض التحسين حتى لا يُقال أنّني على طريق "ترامب"، لا، أنا اريد أن أزيل من أمامي بعض الغلاظات التي جاوزها المدى وبالتالي بعد هذا، هذا إلي جاءكم 

كمال خلف: دكتور "كمال" وسيّدة "سيويل" ومُشاهدينا سنتوقف مع فاصل قصير ونتحدّث بعده في أشياء أُخرى أو عناوين أُخرى تحدَّث عنها الرئيس "باراك أوباما" في كتابه الجديد. فاصل ونعود       

المحور الثاني   

كمال خلف: تحية من جديد مُشاهدينا في "لعبة الأُمم"، نتحدّث فيها عن كتاب "باراك أوباما" "الأرض الموعودة" خاصةً الشق الذي يتحدّث فيه عن قضايا وشخصيّات أو زعماء في المنطقة العربيّة. تحدَّث عن أكثر من شخصيّة سيّدة "سيويل" في كتابه. كنّا نتحدّث عن (إسرائيل) والعلاقة مع "الأيباك"، الحديث عن "نتنياهو" في تقديركِ هل أعطى انطباعاً أو استنتاجاً أنّ هناك عدم ودّ تجاه "نتنياهو" من الرئيس في الكتاب أليس كذلك؟

آبي سيويل: نعم، على الصعيد الشخصي أعتقد أنه كان من الواضح أنّهما لم يتّفقا كثيراً ولكن هذا لا يعني بالضرورة أنّ الرئيس "باراك أوباما" لم يدعم (إسرائيل) بل قال في الكتاب أنّه دعَمَ (إسرائيل). لن تجد أيّ رئيسٍ أميركي لن يدعم أو سيقول أنّه لا يدعم (إسرائيل)، ولكن على صعيدٍ شخصيّ بينه وبين "نتنياهو" يبدو أنّ الرجلين لا يستلطفان بعضهما البعض

كمال خلف: هذا الشعور سيستمرّ خلال السنوات الأربع من حكم "جو بايدن"؟ هذه العلاقة غير المستقرة مع "بنيامين نتنياهو" ستستمر؟  

آبي سيويل: لا أعتقد أنّ الوضع سيكون على المُستوى نفسه الذي كان سائِداً بين "نتنياهو" و"أوباما". لقد استمعنا إلى كلام " نتنياهو" عن أنّ "جو بايدن" صديق لـ (إسرائيل)، لكن سوف يتعيّن عليه أن يتعامل مع إدارة "بايدن"، وبالتالي عليه أن يبدأ من منطلقٍ إيجابي. لكن طبعاً الرئيس "بايدن" دخَلَ المُعترك السياسي قبل الرئيس "أوباما" بوقتٍ طويل وبالتالي لديه باعٌ أطول، ويشعر "نتنياهو" بارتياح أكبر في التعاطي مع شخص لديه هذا التاريخ الطويل في السياسة 

كمال خلف: على كلّ حال الموضوع ربما يحتاج إلى نقاشٍ أكثر لكن أيضاً لديّ عناوين لا بدّ من أن أمرّ عليها في هذه الحلقة. في الموضوع السعودي، طبعاً في الموضوع السعودي مُشاهدينا تحدّث "أوباما" عن موضوع القلائِد الذهبية وعن الهدايا وعن القصور في الصحراء إلى آخره وكل هذه المسائِل التي تُشير إلى حفاوة الاستقبال والترف وإلى آخره. لكن يقول في ما يتعلّق بـ (السعودية) في الكتاب مُشاهدينا: " يمكن للنظام المَلكي السعودي أن يشعُر بالرضا إزاء تجنُّب ثورة على النمط الإيراني سواء داخل حدوده أو لدى شركائه الخليجيين، على الرغم من أنّ الحفاظ على هذا النظام لا يزال يتطلّب خبرة أمنية داخلية قمعيّة ورقابيّة وإعلامية واسعة، لكنّه فعل ذلك على حساب تسريع الحركة الأصولية العابرة للحدود الوطنيّة والتي احتقرت التأثيرات الغربيّة وظلّت متشكّكة في المُداعبات السعودية مع (الولايات المتّحدة) وصولاً إلى ظهور شبّانٍ مُسلمين يحملون أفكاراً متطرّفة ضدّ (واشطن) ولكنّهم قريبون في الوقت ذاته من أُمراء في (الرياض) ويختزلهم شخص "أُسامة بن لادن" ". دكتور "كمال خلف الطويل"، التشخيص قديم، يبدو أنّ "باراك أوباما" يتحدَّث عن تلك المرحلة، لكن في (السعودية) جرت مياه كثيرة خلال سنوات "دونالد ترامب" الأربع على صعيد الداخل السعودي وعلى صعيد الحديث عن الحركة الأُصولية والوهّابيّة. "محمّد بن سلمان" ضرب هذه المسائِل أو يضربها حالياً في شكلٍ كبير، و(السعودية) تذهب إلى مكان آخر، صارت هناك وزارة أو هيئة ترفيه وإلى آخره. المسألة اختلفت الآن أليس كذلك؟ 

كمال خلف الطويل: بدايةً هناك مقاتلة في هذا الحديث، القول إنّ والله هم أنجوا أنفسهم من مصير الشاه بأن صاروا وهّابيين زيادة عن اللزوم. هذا الحكي الذي إسمه "الأُمميّة الوهّابيّة" دعني أُسميّه في أواخر عام 1979، بعد عمليّة "جُهيبان العُتيبي"، تمّت بالتراضي مع المخابرات المركزية الأميركية وكانت الوقود العقائدي لحرب ما دُعيَ بـ "الجهاد الأفغاني". فهذا الكلام فارغ كما يُقال، أنّ والله "محمّد بن سلمان" أزال تلك الغشاوة عن بصر السعوديين وصار الآن بالتالي رمز الحداثة وبالتالي سيُبلَع من قِبَل المؤسّسة الحاكمة التقليدية الآن في (الولايات المتّحدة)، لا، لا أرى ذلك. لماذا؟ لأنّ في ميزان الأرباح والخسائِر لدى المؤسّسة التقليدية الحاكمة الآن العائدة الآن إلى تسلُّم مقاليد الحُكم في هذا الشكل، هي ترى أعتقد، ترى في "نتنياهو" على فكرة، ترى فيه ضَرَراً أزود من أيّ مكسب تأتّى من خلاله حداثةً، وترى به واحد مشتط، هذا واحد. ثانياً أصبح في رعونة متناهية إبن مقبول ومُراد من المؤسّسة وهو "خاشقجي"، الأمر الثالث أنّه مندفع في شكلٍ مهول، بسرعة ضوئية لا تريدها لأنها هي أيضاً تعرِف انبعاثات الشيء مع المستقبل سواء كان متوسّط الأمد أم الأطول أمداً. الأمر الأخير أيضاً، استمراره رغم أنّ "أوباما" كان معه حليفاً عن بُعد قليلاً في موضوع حرب (اليمن) عندما شُنّت كنوع من إرضائهم أمام ما كان اتفاقاً نووياً أُجريَ حينها مع (إيران)، بمعنى لا تخافوا، أنا هنا أساعدكم أيضاً ولا أدري ماذا ومعلومات استخبارية وقذائف موجّهة وكلام من هذا النوع. الآن يريدون وقفاً لها على حساب النظام الحاكم. أنا أعتقد أنّ الـ Package العائدة لـ "محمّد بن سلمان" لا توائم، ربما يكون هناك فترة انتظار، لكنه لا يوائم المُراد سعودياً، والحال كذلك مع "نتنياهو" بالنسبة إلى  اليمين الإسرائيلي الحاكم. 

كمال خلف: دكتور، هناك مسألة الآن هي العلاقة السعوديّة الإسرائيليّة وكلّ وسائِل الإعلام الإسرائيليّة تقول أنّ "بنيامين نتنياهو" زار (جدّة) أو زار مدينة (نيوم)

كمال خلف الطويل: لا لا، (تبوك)، (نيوم)

كمال خلف: زار (نيوم) واجتمع مع "محمّد بن سلمان" ووزير الخارجيّة الأميركية "بومبيو". هنا في تقديرك دكتور، السعوديون يأخذون ورقة قبل رحيل الإدارة الحاليّة تكون ضمانة لهم عند "جو بايدن"؟ بمعنى ألا يستطيع "جو بايدن" وقف هذا المسار نهائياً؟ هل السعوديون يدافعون الآن عن أنفسهم من خلال الذهاب إلى علاقة مع "بنيامين نتنياهو"، أم أنّ هذا المسار سوف يُستكمَل ويبقى؟ تشخيص المسألة الآن كيف تراه؟ 

كمال خلف الطويل : هذا حلف المنبوذَين لدى المؤسّسة التقليدية الحاكمة الأميركية، يعني يُحذّران تلك المؤسّسة من أن تمضي أبعد من أيّ شيء وألا تمسّهما، أحدهما يحتاج الآخر ولكن الأقوى في المُعادلة هو اليمين الإسرائيلي الحاكم، ومن ثمّ لاحظ الإحراج الذي تسبّب به "نتنياهو" لـ "محمّد بن سلمان" حين أعلن عن الزيارة وكان "محمّد بن سلمان" يتوقّع أنه لا داعي للإعلان الآن وأنّ هناك نوعاً من الإحراج لذلك صمَت "بومبيو" صمْت القبور 

كمال خلف: يعني كان ربّما وضعِ (السعودية) أمام الأمر الواقع أو ربما سياسة جسّ النبض حتى لا تكون الأمور صدمة وإلى آخره بل أن يكون متّفق عليها أيضاً 

كمال خلف الطويل: وأضرّ كذلك أيضاً بحلفائه في الحُكم 

كمال خلف: في موضوع الخليج سيّدة "سيويل"، النظرة النمطيّة بأنّ (الولايات المتّحدة الأميركية) تأمُر حُكّام الخليج، يعني هكذا يبدو، أعني هناك أكثر من مثال على واقعيّة ذلك، أنّها عندما تأمر، يعني عندما تحدّث عن (مصر) إن كان عندنا وقت إن شاء الله سنتحدّث عن (مصر) لكن عندما تحدّّث عن (مصر) قال إنّه طلب من "حسني مبارك" أن يتنحّى، والرجل طالما رفعت (الولايات المتّحدة) الغطاء وتواصلت مع المُستوى الثاني أو الثالث في الإدارة المصريّة تمّت تنحية "مبارك". لكن عندما "باراك أوباما" يتحدَّث عن الخليج هو ينفي الصورة النمطيّة أنّ (أميركا) تأمُر حكّام الخليج، يعني هو يقول عندما ذكر (البحرين) على سبيل المثال، كيف تعاطى مع مسألة (البحرين)، عندما تحدّث عن "محمّد بن زايد" والمُكالمة بينه وبين "محمّد بن زايد" وقال إنّ هذا أذكى حاكِم في الخليج، بدا وكأنّه لا، (الولايات المتّحدة الأميركية) لا تضبط أو لا تتحكّم بالسياسات الخليجية بالكامل وهناك هامش لهذه الدول للتحرُّك

آبي سيويل: نعم، لا أعتقد بأنّ يُمكن القول إنّ (الولايات المتّحدة) تضبط كل الأمور أو تسيطر على كل الأمور. طبعاً لـ (الولايات المتّحدة) نفوذ كبير بفعل القوّة العسكرية والتمويل الذي تُقدِّمه ولكن طبعاً هناك حدودٌ لذلك. القوّة العسكرية تعتمد على التهديد فيما إذا كانت ستُستخدَم القوّة العسكرية، هل ستستخدم (الولايات المتّحدة) القوّة العسكرية ضدّ (السعودية) أو (الإمارات العربية)؟ الجواب هو لا، بالتالي تبقى هناك مسألة التمويل، ولكن هل ستقطع التمويل؟ "جو بايدن" يقول حالياً إنه ربما سوف يتمّ قطع التمويل عن الحرب في (اليمن) وربما يُمكن أن يُنظر إلى ذلك على أنّه نوعٌ من السيطرة على الأمور. ولكن هناك طبعاً سيطرة محدودة إذا ما صحّ القول 

كمال خلف: أنا أُشير إلى بعض المُفارقات إن لم أقل التناقض. عندما تحدَّث عن الرئيس المصري "حسني مُبارك" بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير/ كانون الثاني تمّ الاستنتاج من خلال الكتاب أنّ "باراك أوباما" كان له اليد العليا في قرار تنحية "مبارك". قال: "هذه الدولة نعطيها مُساعدات وبالتالي نحن قادرون على لعب دور فاعل فيها". حتى هذه المسألة الآن محلّ جدل بالمناسبة بين المُعارضة المصرية والسلطة في (مصر)، يعني مسألة تنحية "مبارك" إن كان القرار أميركياً أو غير ذلك، بينما عندما تحدّث عن (البحرين) قال إنّ (الإمارات) و(السعودية) منعتاني من أن أقوم بشيء في (البحرين)، لم أستطع أن أقوم بشيء في (البحرين). يعني بدا في الحال المصريّة فاعلاً ومقرّراً وفي الحال البحرينية عاجزاً تماماً لأنّ هناك مصالِح لـ (الولايات المتّحدة) في هذه الدول. هذه المُقاربة فيها مُفارقة؟ فيها تناقض؟ دولة كبيرة مثل (مصر) يتنحّى رئيسها بينما دولة مثل (البحرين) يتمّ منعها من القيام بأيّ عمل! قادرين كانوا فعلاً على منعه؟

آبي سيويل: بالطبع، هناك تناقُض. لا أعرِف أين هي هذه العوامل التي أثَّرت على الوضع في (مصر) مُقارنةً بـ (البحرين). ربما دول الخليج و(السعودية) لم تتدخل كثيراً في مسألة (مصر) كما فعلت في (البحرين)، وذكرَ "بارك أوباما" أنّ (السعودية) كانت مُعارِضة لتنحّي الرئيس "مبارك" لأنّ هذا سيعني أنّ "الإخوان المُسلمين" سوف يأخذون زِمام الأمور، ولكن في نهاية المطاف يبدو أنّ (السعودية) لم تضع ثقلها لكي تمنع تنحّي الرئيس "مُبارك" 

كمال خلف: لو فعلوا لكان الموقف الأميركي اختلف؟

آبي سيويل: لا أعرف، لا يُمكنني أن أتكهّن، فقط ما قاله في الكتاب

كمال خلف: لأنه اختلف في (البحرين). سنتحدّث عن موضوع  طبعاً (البحرين) ولكن قبل ذلك، في الموضوع المصري دكتور "كمال خلف الطويل"، كيف ترى هذه المسألة خاصةً بالأمس كنّا نُشاهِد أحد نُشطاء ثورة 25 يناير/ كانون الثاني دكتور "كمال"، قال: أرأيتم، نحن كنّا في (ميدان التحرير) وظننا أننا نحن مَن أسقط "مبارك" احتفلنا وإلى آخره وتبيّن أنّ الرئيس الأميركي بقرار منه أسقط "مُبارك"، نحن لم نكن أصحاب الاحتفال الحقيقي"، خاصةً أنّ الرئيس الأميركي قال : كان يكفي أن يتصل بالاستخبارات والجيش ويقول لهم ألا شيء سيتغيّر إذا رحل "مبارك" وكانت هذه كلمة السرّ على ما يبدو حتى تنحّى الرئيس "مُبارك". كيف نُقارِن هذه المسألة دكتور "كمال" ربطاً بموضوع الخليج؟ التعامل مع (البحرين) الذي أشار إليه

كمال خلف الطويل: يا عزيزي، كل من (إسرائيل)     "نتنياهو" في ذاك الوقت وكذلك (السعودية) وغير (السعودية) في الخليج سعوا كل ما في وسعهم وما في طاقتهم لإنقاذ "حسني مُبارك" ولم يتمّ ذلك. لماذا لم يتمّ ذلك؟ لأنّ الموضوع له علاقة بأشياء داخليّة مصرية نظرت إليها (الولايات المتّحدة) أو مَن كان حاكم ما فيها بعين العطف. لا تنسى أنّ خلفيّة الحدث الذي صار في (مصر) في حينه على خلفية تزويره الانتخابات النيابية في العاشر من نوفمبر/ تشرين الثاني، والأهم من هذا، على خلفيّة توريث إبنه. بالتالي كان الجيش مستعداً لأن يقلب الوضع، وعندما أتت الشرارة الشعبية وكانت شرارة حقيقية وليست مُفتعلة، عندما أتت صار بالتالي توافق ما بين رؤية الجيش بإزالة هذا الرجُل لما يحمله من مشروع توريث لعائِلته أو لإبنه بالتحديد وما بين ما يريده الناس من الخلاص من ثلاثين سنة من طاغوت. إنما هل كانوا يستطيعون أن يُملوا على (الولايات المتّحدة)؟ بالتأكيد لا. شوف عزيزي، هناك دوماً هامش ومَتْن وأنت استخدمت التعبير بدقّة، هناك هامش ومَتْن، المَتْن أميركي والهامش هو المدينة في المحيط، هؤلاء هامشهم ليس ضيّقاً ويمكن توسيعه حسب ظرفهم المُحيط، وترى الولايات المتّحدة المسألة بعين العطف، يعني لا يوجد مُشكل. مثلاً خذ مثال الملك "حسين" ودخوله في حرب عام 1967، دوماً هناك هامش وهناك مرونة في التعامل مع هذه الهوامش لكن هناك سقف غير مرئي وهناك مرجعيّة ثابتة، وبالتالي القول الفصل والأخير هو للولايات المتّحدة في رسائِل لها صلة بالأطراف المتحالفة معها 

كمال خلف: دكتور، في ما يتعلّق بأحداث (سوريا) و(البحرين)، طبعاً أحداث (سوريا) مرّ عليها مروراً ربما لأنّ الكتاب حتى عام 2011. لا أعرِف الكتاب المقبل أو الجزء الثاني ماذا سيقول لأن أنت تعرِف في (سوريا) لا زال الصندوق الأسود مُغلقاً حول ما جرى في (سوريا) وإن كان سيفتح هذا الصندوق أو لا. لكن في ما يتعلّق بـ (سوريا) و(البحرين) حتى 2011 يقول الرئيس الأميركي: "صَرفتُ وفريقي ساعات ونحن نُصارِع القرار حول كيفية تأثير (الولايات المتّحدة) في الأحداث داخل (سوريا) و(البحرين). خياراتنا كانت محدودة على نحوٍ مؤلمٍ. كانت (سوريا) خصماً لـ (الولايات المتّحدة) منذ أمدٍ بعيد، حليفةً تاريخية مع (روسيا) و(إيران) ومُسانِدةً كذلك لـ "حزب الله"، وفي غياب الروافع الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية التي كنّا نمتلكها في (مصر) فأنّ ما قمنا به من إدانات رسمية لنظام "الأسد" ثمّ فرض حصارٍ أميركي لاحقاً لم يكن له تأثير فعليّ، وكان في وسع "الأسد" الاعتماد على (روسيا) لاستخدام الفيتو ضدّ أيّ مجهودٍ لفرض عقوبات دوليّة عبر مجلس الأمن في الأُمم المتّحدة، بالتنسيق مع السعوديين والإماراتيين. كان النظام البحريني سيُجبرنا على الاختيار وكان الجميع على درايةٍ بأنّه عندما حان وقت الضغط لم نتمكّن من المُخاطرة بموقعنا الاستراتيجي في الشرق الأوسط بقطع العلاقات مع ثلاث دول خليجية". دكتور "كمال"، في موضوع (البحرين) و(سوريا)، المسألة تُثير المُقارنة. هنا في (سوريا) ليس ثمّة مصالِح، جرى ما جرى في (سوريا)، لكن في (البحرين) كانت هناك مصالِح وهذا كان له تأثير لم يتمّ. هو أشار إلى مسألة القِيَم والمصالِح وأنّ المصالِح انتصرت على القِيَم في ما يتعلّق بـ (البحرين) حسبما يرى الرئيس الأميركي. في المُقارنة الأُخرى مع (سوريا)، في (سوريا) ليس ثمّة مصالِح وصار بعد عام 2011 الكثير من الأحداث. لكن في (البحرين) ثمّة مصالِح، لذلك لم نفعل شيئاً

كمال خلف الطويل: عزيزي، أولاً بالنسبة إلى موضوع (سوريا)، الكلمة المُفتاح في الفقرة التي أشرت إليها هي أنّ (سوريا) في الموقع الآخر، على ضفّة أُخرى، وهذا حقيقي على الأقل منذ عام 1957، وأعتقد أنّ مفتاح المسألة هو أن تضع جملة مُعاكسة وهي "استرداد (سوريا)"، وبالتالي كلامه حول أنّ هذه غير مهمة ولا أدري ماذا وبأنه ما كان لدينا من وسائط إلا ما أعلنه ربما حتى عام 2011، تحديده فقط. لكن لا، وسائطه كثيرة وزوِّدت ومورِست سواء كان عبر حلفاء إقليميين أم مُباشرةً، بالتحديد، بدءاً دعنا نقول من 2012. هو فعل الكثير في (سوريا) وسيتحدّث، أنا متأكِّد، في كتابه اللاحق بالتفصيل وسنتحدّث نحن عن ذلك أيضاً بالتفصيل بعد ذلك. ما أُريد أن أقوله إنّ كلمة (سوريا) غير مهمّة، مَن قال إنّها غير مهمّة له؟ (سوريا) مهمّة جداً لـ (الولايات المتّحدة) ولسواها، دولة مُفتاح ودولة حاكمة. لا أبداً، وبالتالي هناك مصالِح له في (سوريا) وليس موضوع قِيَم ومبادئ، حَذاري أن يُصدِّق أحد هذا الحكي وأنه يعيش على المبادئ والقِيَم ولا أدري ماذا. بالنسبة إلى  (البحرين)، طبعاً، (البحرين) هي قاعِدة الأُسطول الخامس. (البحرين) إن سُلِّمت أو دعنا نقول إن تُرِكت على هواها بمعنى أو في آخر وفي تقدير المؤسّسة الحاكمة لذهبت إلى (إيران)، وبالتالي لا يُمكن القبول بذلك، وليس والله ضغط عليه فلان وعلان وحرام لم يُحْسِن النوم ولا أدري ماذا، لا، القصّة تمّ البتّ فيها 

كمال خلف: بالنسبة إلى (ليبيا) دكتور أيضاً، طبعاً تحدّث عن (ليبيا). آخذ منك فقط لأنّ وقتي انتهى تماماً دكتور. بالنسبة إلى (ليبيا) ثمّة ملاحظات يُمكن قولها على ما تحدَّث به في كتابه؟ 

كمال خلف الطويل: والله هذه لوحدها تحتاج إلى نصف ساعة 

كمال خلف: ربما أكثر والله

كمال خلف الطويل: لكن أريد أن أقول التالي: أضحكني قوله إنّه كان في حفلة وخلال ساعة رسم خطّة جهنميّة تختلف عمّا كان قد قدِّم له من مقترحات، وأنه أتى لهم لاحقاً وقالوا له "يا للهول كم أنت عظيم بهذه الفِكرة"، فماذا فعل؟ صارت (ليبيا) عشرين شقفة، ومنذ ذاك الوقت إلى الآن محتارة (الولايات المتحدة) وسواها كيف سيلملمون مسألة الحرب المتفلِّتة هذه ومشاكلها بالنسبة إلى  المهاجرين والهجرة إلى (أوروبا) وألف شغلة، والسلاح المتفلِّت وإلى آخره. لذلك أنا أرى أنّ ما فعله في (ليبيا)، أتحدّث لك من مقياس أميركي وليس عربياً، من مقياس أميركي كمَن أطلق على رجله أو على قدمه رصاصة 

كمال خلف: شكراً دكتور "كمال خلف الطويل" الكاتب السياسي من (واشنطن)، أشكرك جزيل الشُكر. السيّدة والكاتبة السياسية الأميركية السيّدة "آبي سيويل" شكراً لحضوركِ هنا في الأستديو

آبي سيويل: شكراً لك

كمال خلف: ومشاهدينا "لعبة الأمم" انتهت. شكراً للمتابعة وإلى اللقاء