الممثل عمر ميقاتي

المحور الأول:

زاهي وهبي: مساء الخير. كيف نختصرُ في خمسين دقيقة أكثر من خمسين عاماً من العطاء؟ تلك مهمّةٌ مُستحيلة! لذا نعتبرُ هذا الحوار مع ضيفنا القدير مجرّدَ تحيّة متواضعة إلى رجُلٍ أمضى سَحابة العُمرِ في تقديمِ فنٍّ جماهيريٍّ راقٍ بعيدٍ عن السفاهة والابتذال. ولا عجَبَ أو استهجان، فهو ابنُ رجُلٍ رائِدٍ ومؤسّسٍ للمسرح الشعبيّ في (لبنان) عشِقَ الفنّ منذ نعومة أحلامه وبراءة طفولته وتدرّبَ على يدِ والده القدير وتدرَّجَ في مشوارٍ يمتدُّ قُرابة سبعين عاماً ولا يزال حالماً كبيراً بقلبِ طفلٍ يقتربُ من الثمانين ومعه لا سنينَ عجافاً مهما بلغت الصعوبات بل عطاء متواصل ومُثمرٌ لا يعرِف الراحة أو الاستسلام. "بيت القصيد"، بيت المبدعين العرب يُضاءُ بحضور الفنّان الكبير الأُستاذ "عُمر ميقاتي"، أهلاً وسهلاً نوّرت "بيت القصيد" 

عُمر ميقاتي: أسعد الله مساءك، أعطيتني أكثر مما أستأهل 

زاهي وهبي: لا على العكس، تستأهل أكثر من هذا. أكثر من خمسين سنة في الميدان، ميدان المسرح والإذاعة والتلفزيون والسينما، ماذا أعطتك هذه المِهنة؟ ماذا أضافت لك كإنسان في هذا الوجود؟ وهل أنت راضٍ على الخلاصة؟ على الحصيلة؟

عُمر ميقاتي: أجل نوعاً ما لأنني في البدايات بدأت في الإذاعة وكان أول عمل إذاعي لي مدته ثلاث عشرة سنة مع الوالد. تتلمذت على يدي الوالد في الإذاعة لفترة طويلة وكان عمل الإذاعة كلّه بالفُصحى وهو كان ضليعاً في هذا المجال أيضاً فمرّره لي. لاحقاً عندما تأسّس "المسرح الوطني" كنت في العشرين من عُمري وبعد سنة في عام 1967 أصبحت معهم واشتركت في خمس مسرحيّات. كل ذلك، بالإضافة للإذاعة ثم لاحقاً انتقلنا إلى التلفزيون في الأعمال وإلى آخره، كل ذلك جعلني كشخص يضع نظّارات في الحياة كي يُصحّح نظره، وأنا وجدت أنّ الحسّ الجمالي والإبداعي يُصحّح جيداً الرؤية عند روح الإنسان، هذه هي الحقيقة 

زاهي وهبي: جميل جداً ما تتفضل به. هذا الصبيّ الذي ركض في يومٍ من الأيام وراء المُعلِن الذي كان يُعلِن عن أفلام السينما بالجرس، كانوا يجولون في الأحياء أليس كذلك ليعلنوا عن أفلام جديدة؟

عُمر ميقاتي: نعم، نعم

زاهي وهبي: كأنّك كنت تركض وراء حلمك أنت تقول من دون أن تعلم، هلّ وصلت أم لا تزال تركُض؟ 

عُمر ميقاتي: أعتقد أنّ الركض لا ينتهي في هذا المجال. أُستاذ "زاهي" أنت تعرِف أنّ هذا المجال الذي فيه إبداع كما يقولون وفيه خلق معيّن على صعيد البشر وحسب قدرة البشر، هذا لا ينتهي. هناك مثلٌ مصريّ حلو كثيراً أحب أن أُردّده يقولون فيه: "بيموت الزُمّار واصبعه بتلعب"، يعني هذه مسألة لا تنتهي إلا مع نهاية العُمر أو العجز عن الإتمام، وإن شاء الله لا نصل إلى هذه المرحلة 

زاهي وهبي: ويظلّ الإنسان يتعلّم؟

عُمر ميقاتي: دائماً 

زاهي وهبي: مهما بلغ من العُمر ومن التجربة؟ 

عُمر ميقاتي: نعم، يتعلّم طوال حياته وأنا متعلِّمٌ دائم 

زاهي وهبي: أنا أسألك عن قصد لأنني أحب أن يسمعك هؤلاء الشباب الذين يدخلون في هذه المجالات اليوم  

عُمر ميقاتي: وأنا أيضاً عندما تكون عندي مقابلات مثلاً في التلفزيون أو في الإعلام أطلب من الزملاء أن يشاهدوا الأعمال العالمية التي صارت في متناول أيديهم في هذا الهاتف الصغير وصار في إمكانهم أن يشاهدوا كلّ شيء: عندكم إمكانية أن تتعلّموا دائِماً وأن تشاهدوا الجمالات وأن تصقلوا روحكم وتصلون لاحقاً إلى الرؤية وإلى نوع من الألوهيّة على صعيد البشر 

زاهي وهبي: والآن صارت الأشياء أسهل، أعني الوصول إلى هذه القضايا، بخلاف عندما أنتم كنتم شباباً ومراهقين، يعني إذا أراد أحدكم أن يجمع ثمن تذكرة سينما كان المبلغ ربما غير متوفِّر لكي يدخل المرء إلى السينما 

عُمر ميقاتي: لكن أقول سقا الله تلك الأيام، سقا الله ذاك الذي كان يمسك ذاك اللوح من الخشب المُعاكس ويلصق عليه أفيشات ملوّنة لـ "المهابيل الثلاثة" و"طرزان وشيتا" ولا أدري ماذا، وكان ينادي "طرزان وشيتا" ويقرع ذاك الجرس، وذاك الولد الصغير الذي يلحقه طوال النهار وتعوّرت رجلاه لكنه كان مسروراً

زاهي وهبي: هذا كان في (طرابلس)

عُمر ميقاتي: في طرابلس نعم. عندها وجدني أهلي في المخفر في الساعة الحادية عشر ليلاً 

زاهي وهبي: لأنّك ضعت 

عُمر ميقاتي: لم أكن أبكي، كنت متّسِخاً بأكملي وكنت مسروراً لأنني أنجزت شيئاً 

زاهي وهبي: هذا كان أوّل إنجاز لحضرتك. دعنا نُشاهدك في "قطع وصل" مع زميلتنا "يارا أبي حيدر" ونسمع ما تفضلت به وقلته ومن ثمّ نُكمِل الحوار

قطع وصل - عُمر ميقاتي:

- مَن لا يُحبّ (بيروت)؟ مَن لا يُحبّ (بيروت)؟ (بيروت) الثقافة، (بيروت) المسارِح، (بيروت) الجمال، (بيروت) الرسم، (بيروت) النحت، (بيروت) الإنسان في النتيجة و(بيروت) العذاب أيضاً. تحسِّين كأنّها إنسانة موجودة وعلى وشك أن تحكيكِ. (بيروت) على وشك أن تقول لكِ: هذا كثير، شوفوا ودبّروا أنفسكم، قوموا بشيء، لم يعُد في إمكاني أن أتحمّل

- عندما كنت طفلاً كان لي علاقة في موضوع الستار والمسرح وأن أجمع الجيران وأولاد العمّ، وكان يمرّ في الأحياء شخص يحمل خشبة كبيرة مُعاكسة عليه صُوَر وأفيشات ملوّنة ومعه جرس وكان ينادي: "سينما روكسي" "طرزان وشيتا"، ولا أدري ماذا، فلحقته، كأنّه مغناطيس وسحبني. لحقته في كل زواريب (طرابلس) وبقيت ألحق تلك الخشبة وذاك الحلم، بقيت ألحقه طوال حياتي ولغاية الآن لا زلت ألحقه. لا يزال إلى الآن صوت الجرس في أُذُني ولا يتوقّف، جرس الدعوة إلى عالم جديد، إلى عالم غرائبي، إلى عالم الدهشة في تلك الأيام التي كانت السينما بالنسبة لذاك الطفل

- أُفرِغ هذه الذاكرة على الورق الموجود أمامي، أحياناً في قصيدة وأحياناً برواية أو أحياناً كما أفعل الآن، أكتب سيناريو 

- الأن أرى شيئاً غير مُريح وفيه ظلم، ما أراه هو أولئِك الناس الذين يركضون وراء الرغيف، الأمل في الشباب دائِماً. ممكن أن يكون المرء في عُمر السبعين سنة ولا يزال شاباً، في الفكر أعني. أين هو صديقي "أبو الطيِّب المتنبّي"؟ هذا كل ديوانه مقسّماً على ستة كتُب أو سبعة. جيّد، لا، هذا ليس كتاب "المتنبّي"، ضيّعتنا، أيضاً يقوم بفصول مع الأحياء "المتنبّي"، أين الكُتب يا "رندة"؟ ها هو "المتنبّي"، يا ألله. "يا أُختَ خيرِ أخٍ، يا بنتَ خيرِ أبي". "نزار ميقاتي" والدي وأُستاذي في الإذاعة وفي المسرح وفي الحياة

زاهي وهبي: قبل أن نتحدّث عن "نزار ميقاتي" الراحل الكبير الحاضر في كل ما تركه من إرث، صداقتك مع "المُتنبّي" ما سببها؟ 

عُمر ميقاتي: أولاً شدّني إليه في عَظَمة العبقريّة التي عنده وفي الشاعريّة. مرّة قلت مع احترامي لكل الشعراء لأنني أُحبّهم وخصوصاً المبدعين منهم، مرّة قلت لشاعِر صديق، قلت له: "المتنبّي" كتب الشعر كلّه 

زاهي وهبي: لم يترك لنا شيئاً 

عُمر ميقاتي: وضعه في صندوقة وأقفلها ورماها في البحر ولا تعلم أين هي الآن، كل الشِعر وضعه في تلك الصندوقة ولم يترك شيئاً. "المتنبّي" كشاعر، كلمة العبقريّة قليلة عليه، هو العبقريّة في حدّ ذاتها 

زاهي وهبي: ثمّ القصيدة بالذات التي فتحتُ عليها في الربورتاج، التي هي في رثاء

عُمر ميقاتي: أخت "سيف الدولة" التي كان يحبها 

زاهي وهبي: أخت "سيف الدولة" التي كان مغروماً فيها كما يقال 

عُمر ميقاتي: وهذا ربما من الأسباب التي جعلته يترك (حلب) ويرحل، ربما هذه هي القصة التي حاربته فيها تلك الحلقة من الفلاسفة أو الشعراء، حتى شاعِر نُحبّه كلّنا "أبو فراس الحمداني" كان يغار منه أكيد، هذه هي الطبيعة البشرية

زاهي وهبي: حفروا له 

عُمر ميقاتي: حفروا له وغادر لهذا السبب. ثمّ "سيف الدولة" كان حبيبه وصديقه وعندما قرّر أن يرجع له تعلم ما الذي حدث له 

زاهي وهبي: راح 

عُمر ميقاتي: وعندما حُجِز عند، نسيت ماسمه، وقال "عيدٌ بأيّة حالٍ عُدتَ يا عيدُ" 

زاهي وهبي: "أبو فراس" 

عُمر ميقاتي: لا، عندما حُجِز في (مصر) عند 

زاهي وهبي: عند "كافور" 

عُمر ميقاتي: "كافور الأرشيدي" الذي حجزه وأعرِف كيف هرب، وطبعاً لأنه كان يهجي هنا ويهجي هناك أقاموا له كميناً، حسب الكُتب يقولون لأنه هجا أخت "فاتِك الأسدي" لكن أقول لا، كانت القصّة أكبر من هذه، اغتيال سياسي في كل معنى الكلمة، يريدون أن يتخلّصوا منه 

زاهي وهبي: على كلّ حال إرث "المُتنبّي" يحتمل الكثير من البحث والتمحيص إلى آخره 

عُمر ميقاتي: حتى طريقة مقتله، حسبما درّسونا إياها حين كنّا صغاراً 

زاهي وهبي: "فاتِك الأسدي" قتله لأنّه هجا له أُخته أو أُمّه أو شيء من هذا النوع 

عُمر ميقاتي: وعندما أراد أن يهرُب قال له التابع له: ولو، أنت كتبت الخيل والليل والبيداء وكذا، فعَدل عن الهرب وقال له "قتلتني". لكن لا تركب هذه القصة، ما رأيك أُستاذ "زاهي"؟

زاهي وهبي: هذا هو التاريخ الرسمي، والتاريخ الرسمي نادراً ما يكون صادقاً. أُستاذي نعود إلى "نزار ميقاتي"، والدك الله يرحمه. أبرز ما تعلّمته من "نزار ميقاتي"؟ 

عُمر ميقاتي: تعلّمت منه أشياء كثيرة، حسّه الجمالي. "نزار ميقاتي" كان أحياناً يقتني أشياء ليس في حاجة إليها لكنها حلوة، شغلة حلوة فيها فكر. في إحدى المرات استغربت، أحضر "كاوي" على الغاز ماركة "رونسون" للِحام وهو لا يجيد عمل اللِحام 

زاهي وهبي: لكنّه استحلاه 

عُمر ميقاتي: رآه مصنوعاً من الـ "ستانلس ستيل" فأحضره. كان جمالياً في كلّ معنى الكلمة، في حياته وفي ملبسه وفي أناقته، معروفة أناقته. كان رحمه الله "وجيه رضوان" الصحافي والكاتب الكبير والأنيق يتناقر معه على ربطات العنق ويقول له: " يا "نزار"، سبقتني على ربطة العنق هذه، هذه كانت في الواجهة الفلانيّة"

زاهي وهبي: يعني يُمكننا أن نقول أنّه كان عاشقاً للجمال؟

عُمر ميقاتي: كان عاشقاً للجمال قولاً وفعلاً. قرأت له في كتاباته الإذاعيّة في مكانٍ ما: "انّ الحياة محبّةٌ وجمال". الحياة بالنسبة له محبّة وجمال، هذا ما تعلّمته 

زاهي وهبي: هل نال حقّه كمؤسّس لـ "المسرح الشعبي"، كرائِد من روّاد الحركة المسرحيّة في (لبنان)؟ "نزار ميقاتي" والدك هل نال حقه؟

عُمر ميقاتي: الحمد لله أنّ هناك مفكرين، هناك أناسٌ عندهم ضمير ويذكرون هذه المناسبات. منذ سنة تقريباً "قاسم اسطنبولي"، ذاك القبضاي 

زاهي وهبي: نعم، في (صور) 

عُمر ميقاتي: في (صور) أسّس مسرحاً أسماه "المسرح الوطني" تيمّناً بالمسرح الذي أسّسه "نزار ميقاتي" وينوي افتتاح مسرح وطني أيضاً في (طرابلس) كان يقول لي أنه سيسمّيه "مسرح نزار ميقاتي"

زاهي وهبي: على كلّ حال سنُشاهد بعد قليل مشاهد من هذا التكريم لـ "نزار ميقاتي" في (صور). كتابك عنه أين صار؟ 

عُمر ميقاتي: في الشهر الثالث بإذن الله، يعني في أوائل السنة سيصدُر، خلص صار لي عشر سنوات

زاهي وهبي: أنا أعرِف، في كلّ لقاءاتك تتحدّث عن هذا الكتاب 

عُمر ميقاتي: ولماذا لم يُكتَب؟ لأنني كنت أستهيب الموقف حينما كنت أكتُب عنه، إلى أن وجدت الصيغة أخيراً في أن أكتب الكتاب في شكل حوار بيني وبينه وليس أن أسرُد سيرته 

زاهي وهبي: نعم. عندما يكون الإنسان إبن فنان كبير، هذه نعمة أم نقمة في مكان من الأماكن؟ بمعنى كم يُصبِح الحِمل ثقيلاً على أكتاف الإبن ليكون جديراً بأن يحمل إسم هذا الإنسان المبدِع الكبير؟ 

عُمر ميقاتي: هناك مُبدعون كبار لم يمشِ أولادهم على خطّهم الإبداعي، أو حتى في حياتهم الخاصّة لم يكونوا أهلاً لأن يحملوا هذا الإسم ربما أحياناً، وهناك أولاد حملوا هذا الحِمل ومشوا فيه واستمرّوا وكرّسوا ذكر آبائهم. يعني "نزار ميقاتي" أحياناً الكثير من الناس، نحن في بلد يعاني من مرض، تعرِف ما هو هذا المرض من دون أن نذكره. هناك مرض 

زاهي وهبي: مرض الطائِفيّة 

عُمر ميقاتي: مرض التخلُّف بكل معنى الكلمة. هناك أناس يحكمون ويصنّفون حسب مزاجهم العشائري 

زاهي وهبي: للأسف

عُمر ميقاتي: للأسف، فِكر وغير فِكر وأناس كبار، لكن هناك أناس يتجاهلون. مثلاً كنت أسمع في إحدى وسائِل الإعلام وكانوا يتحدّثون عن فترة مئة سنة، تحدّثوا عن "المسرح الوطني" ولم يذكروا إسم "نزار ميقاتي" 

زاهي وهبي: علماً أنّ هو 

عُمر ميقاتي: وليس فقط هو، هو أسّس أوّل مسرح يومي في (لبنان) وقال عنه "جورج شحادة" 

زاهي وهبي: الشاعر الكبير الفرنكفوني، نعم 

عُمر ميقاتي: الشاعر الكبير العالمي عندما شاهد مسرحيّة "شوشو بيك في صوفر"، أوّل مسرحيّة، كان هو و"نعيمة" وأنا كنت أنتظر ولم أكن معهم في الفِرقة وبعد سنتين أصبحت معهم، كنت أنتظر "نعيمة" وأريد أن أوصله على بيته في (برج حمّود)، فيقول "جورج شحادة" للوالد: " نزار، أنا شاهدت هذه المسرحية في (باريس) وهذه المسرحية أحلى من (باريس)". هذا هو "نزار ميقاتي" 

زاهي وهبي: حتى "شوشو" انظلم، "حسن علاء الدين"

عُمر ميقاتي: "شوشو" انظلم جرّاء الواقع الذي كان موجوداً فيه. الوالد ترك "شوشو" في السبعينات، وإذا تعلم سبب تركه لـ "شوشو" أو "حسن"!! عندما زاره في المستشفى في آخر أيامه نهض "شوشو" وكان وضعه حرجاً وبعد عدّة أيام توفّى 

زاهي وهبي: كان يريد من "شوشو" أن يهدأ قليلاً على وضعه، يهدأ، أعرِف هذه الخبريّة  

عُمر ميقاتي: يسلم فمك. أنا سألت الوالد: "لماذا تركت المسرح وأنت أسّسته؟ أنا رأيتك وأنت تدرّب "حسن علاء الدين" لفترة ستة أشهرـ تدرّبه كيف يقف ويحكي على المسرح وألبسته ليكون "بيك" بعدما كان يظهر في التلفزيون في شخصيّة لم يعد الناس يريدونها ولكنها كانت قبلاً فتوّة غريبة". والدي رآه في الإذاعة يشتغل في برنامج يُخرِجه الأُستاذ "محمّد كريِّم" الذي نوجه له التحيّة أطال لله في عُمره 

زاهي وهبي: نُمسّيه بالخير

عُمر ميقاتي: رأى أنّه إنسان عنده عطاءات، فقال له "نلتقي يا "حسن"، وبالفعل صار هذا اللقاء بعدما أمضى "حسن" فترة بلا عمل. أنا شاهدت التدريبات لكل الفرقة حينها لكنّي كنتُ مراقباً حينها، قال لهم أطال الله في عُمر الموجودين الأحياء مثل "سمير شمص" و"آمال عفيش" و"مارسيل مارينا" و"سمير معلوف" و"جيزيل نصر" 

زاهي وهبي: نمسّي الكلّ بالخير

عُمر ميقاتي: وهناك مَن رحلوا 

زاهي وهبي: الله يرحمهم

عُمر ميقاتي: المهمّ، شاهدت كيف كان يُدرِّبهم لمدة ستّة أشهُر، كان يدرِّب الكل، وقال لهم أنّ هناك شخصية ستكون محوريّة وهي شخصية "البيك" 

زاهي وهبي: نعم، "شوشو"، وتركوه لأنهم كانوا يريدونه 

عُمر ميقاتي: تركوه لأنّه كان يأخذه بيده عند الأطبّاء 

زاهي وهبي: خوفاً على صحّته 

عُمر ميقاتي: و"حسن" كان يأكل نفسه أثناء التمثيل. "حسن" تدرّب في فترة على أيدي أُستاذ درس في (إيطاليا) وكان عند "الكَرمَليين" في صِغره وشبابه. "نزار ميقاتي" ضليع في المسرح وعنده هذه العبقرية المسرحية في الكتابة والإخراج وكان هو الأُستاذ في المسرح، لكن هذا الأُستاذ كان يعرِف أنّ "حسن" الآن أصبح في المسرح، يعني لم يمرّ في المرحلة التدريبية التي مرّ "خضر" مثلاً فيها الذي درس في (أوروبا) وفي (أميركا)، وأنا اشتغلت مع "خضر" عملين وأعرِف بالتالي أنّ "خضر" كان عنده تقنية تعلّمها خلال أربع أو خمس ـوست سنوات، فكان يشتغل ولا يعرَق بينما "حسن" كان يذوب على المسرح. عندما وجد الوضع هكذا قال له "نزار ميقاتي": يا "حسن" دعنا نؤسّس فرقة في المسرح تقدِّم دراماً لمدة شهرين وأنت ترتاح في هذين الشهرين 

زاهي وهبي: لم يقبل "شوشو" 

عُمر ميقاتي: لم يقبل بسبب وجود أناس كانوا يوشوشون على أذنه 

زاهي وهبي: للأسف غاب باكراً 

عُمر ميقاتي: لاحقاً قلت لوالدي: لماذا تركت المسرح؟ قال لي: لأنني لا أريد أن أكون موجوداً عندما يموت "حسن" 

زاهي وهبي: وهكذا صار 

عُمر ميقاتي: وهكذا صار، حتى أنّه لم يتمكّن من الذهاب إلى عزائه، ركبتاه كانتا تصكّان ولم يتمكّن من الوصول

زاهي وهبي: أُريد أن أرجع إلى تجربتك، لا أستطيع أن أتوقّف عند كلّ مرحلة بمفردها لكن أبرز ما قدّمته أو ما تعتزّ به خلال هذا المُشوار الطويل؟ 

عُمر ميقاتي: أكيد الأعمال التي اشتغلتها مع الوالِد في "المسرح الوطني" وبعض الأعمال الإذاعية التي قدّمت فيها شخصيات معيّنة ومنها كتاب مشهور في الأدب العربي، نسيتسمه، أخرجه الأُستاذ "محمد كريِّم". أدّيت شخصية كوميدية ضمن الأجواء التي كان ممثلون كبار يؤدّون في العمل مثل "عبد المجيد مجذوب" و"ماجد أفيوني" و"محمود سعيد"، كانت الشخصية كوميدية، لا أنسى هذا البرنامج، وأعمال عديدة مع الوالد بالإضافة إلى المسرح. أوّل مسرحية أدّيت فيها قبل أن أؤدّي في مسرحية على "المسرح الوطني" كي يأخذني الوالد ويضمّني إلى الفرقة، كانت بالفرنسية، أول عمل مسرحي أديّته كان باللغة الفرنسية وكان هذا العمل لـ "إنغمار برغمان" 

زاهي وهبي: أين كان، في (بيروت) أو (طرابلس)؟ 

عُمر ميقاتي: هذا كان في "إستاد دي شايلا" وعرضناه لثلاثة أيام وجاء السفير الفرنسي وشاهد العرض ودعاني إلى العشاء حينها. أدّيت دور "البوفون"، "البوفون مُضحِك" وليس "كلون"، الـ "كلون" مهرِّج و"البوفون" مُضحِك مُسخِن. إذاً، أنت كما تعلم "بيرغمان" رهيب، وكانت هذه المسرحية كدراسة لتلاميذه في المسرح وهو كان رئيس المسرح الملكي السويدي، فشاهدها والدي مع هؤلاء الشباب والصبايا وكنّا رائعين. عندما شاهدني أدمعت عيناه، وحينها أتى "حسن" وقال لي، وكان "حسن" مهذباً جدا: "أستاذ "عُمر"، الأُستاذ يريدك. ذهبت لعند الوالد فقال لي: "أنا اليوم رأيت شاباً"، وأنا فاجأته في الحقيقة، "وأريده في المسرح عندي"

زاهي وهبي: اقتنع بك كممثل 

عُمر ميقاتي: شاهدني واندهش، لم يكن يدري  

زاهي وهبي: ليس فقط كإبنه بل كممثل 

عُمر ميقاتي: وهو من هذه الناحية كان صارماً، علّم لمدة 18 سنة 

زاهي وهبي: لكن لاحظت مسألة، أننا اليوم في عصر الصورة، التلفزيون، السينما، وسائِل التواصل الجديدة والصورة أساس فيها. تحدّثت عن الإذاعة في طريقة فيها شغف، هل لا زال عندك شغف بالإذاعة رغم طغيان الصورة على كل ما عداها في هذا الزمن؟ 

عُمر ميقاتي: صادف اليوم أنني كنت أُسجِّل في إذاعة (لبنان) برنامجاً وكانت معي "آمال عفيش"، تؤدّي معي 

زاهي وهبي: نمسّيها بالخير السيّدة "أمال" 

عُمر ميقاتي: رائعة "أمال" وهي تقرّ بعمرها، صارت "أمال" في الثالثة والسبعين من العُمر وتدخل إلى الإذاعة وتشتغل، إسم الله عليها جاهزة، والكتابة كانت لصديقنا "هادي جوباري" الذي يمتلك روحاً كوميدية حلوة. هذا برنامج يذاع في (إذاعة لبنان) الإثنين والثلاثاء والأربعاء

زاهي وهبي: نمسّي "هادي" أيضاً بالخير. هل هناك شيء تندم عليه؟ أدوار قدّمتها أو أعمال تقول ليتها لم تكن موجودة في أرشيفي؟ 

عُمر ميقاتي: هناك أعمال تأتيني، أقولها لك بصراحة، خلال عشر سنوات ثلاثة أعمال تلفزيونية رددتها 

زاهي وهبي: لم تقبلها 

عُمر ميقاتي: لم أقبلها لأنها ليست لي، وحتّى قبل يومين من التصوير اتصلت بالمنتج وهو صديقي وقلت له: "كيف أرسلت لي هذا الدور؟ فاجأتني به! أنا أصوّر لك برنامجاً آخر، سنرتطم ببعضنا البعض. ثمّ هذا الدور ليس لي" 

زاهي وهبي: كيف تُقرِّر إذا الدور لك أو ليس لك؟ 

عُمر ميقاتي: أمران، الأمر الأول المُجتمع اللبناني والعائِلي الذي يُشاهد والذي أحترمه وأُقدِّره والذي أطلَلت عليه كثيراً في أدوارٍ له، للعائِلة 

زاهي وهبي: نعم، دور الأب الطيِّب، الأب الحنون. شخصية الأب لعبتها كثيراً، الوالد أعني

عُمر ميقاتي: نعم، والجدّ أيضاً 

زاهي وهبي: لكن كيف لا تجعلها تقع في النمطيّة؟ بمعنى أنه ليس كل دور أب يشبه الدور الثاني والثالث والرابع إلى آخره

عُمر ميقاتي: علماً أنّ بعض الأدوار لها طابع كوميدي مثل في مسلسل "الضحيّة" الذي كان منذ أكثر من عشر سنوات أو 14 سنة، كان الدور دور محقّق ظريف وكان المُجرِم "كرباج" الله يشفيه وكانت الشخصية مع مُخرِج كبير إسمه "باسم نصر" في التلفزيون 

زاهي وهبي: طبعاً معروف 

عُمر ميقاتي: دور المُحقّق في "الضحية" كان شخصية، يعني عندما يُعصِّب يلتقط من جيبه "بونبونة" ويمصّها، وهكذا كانت أدوار الأب أو الجدّ أو الأخ. في الحقيقة مرّة أو مرّتين أدّيت هذا الدور، لكن دور الجدّ أدّيته سنوات في "المنار الصغير"، ستّ أو سبع سنوات. دور "جدّو". كان شغلة وكانت علاقة مع جيل عندما أشاهدهم الآن صاروا رجالاً 

زاهي وهبي: على كلّ حال عندك ملامح في الواقع، ملامح الجدّ الطيِّب القريب إلى القلب أطال الله في عُمرك. إسمح لنا أن نشاهد مقتطفات من أعمالك ونتوقف مع استراحة سريعة ثمّ نتابع "بيت القصيد" 

المحور الثاني                                 

زاهي وهبي: إذاً مُشاهدينا شاهدنا بعض المُقتطفات من أعمال القدير "عُمر ميقاتي". أُستاذي تحدّثنا قبل الاستراحة عن سحر الإذاعة والعمل الإذاعي بالنسبة لك، المسرح اليوم في هذا الزمن، زمن التكنولوجيا وكل هذه القضايا التي تعرِفها حضرتك، هل لا يزال له ذاك السحر؟ عادةً الممثلون يلعبون أدواراً في السينما وفي التلفزيون في الإذاعة إلى آخره ولكن يظلّ للمسرح سحره الخاصّ، هل للمسرح هذا الوقع عندك؟

عُمر ميقاتي: طبعاً، وهنا من اللازم أن أحكي وأقول أنّني بعد "المسرح الوطني" كان لي شغل في عدّة أعمال مسرحيّة مع "الشدراوي" 

زاهي وهبي: نعم، "يعقوب الشدراوي"

عُمر ميقاتي: في المهرجان الحادي عشر للمسرح العالمي في (دمشق) حينها 

زاهي وهبي: مع "روجيه عسّاف" و"منصور الرحباني" 

عُمر ميقاتي: ولاحقاً مع "زياد الرحباني". من زمان، صار لي ثماني سنوات مع "جورج خبّاز"، وتوقفنا بسبب "كورونا" في شباط/ فبراير. ثماني سنوات، فقلت لـ "جورج" لا توجد أعمال حالياً تناسبني، فقال "ماذا تقول لا تناسبك؟ أنت مجبور بالمسرح، أنت مجبور بالمسرح". شوف كم في هذه الجملة مسؤولية وفيها محبة من "جورج". "جورج"، أُريد أن أُعطيه حقّه، استطاع أن يصل إلى العائلة المسرحية كلّها 

زاهي وهبي: صح، وكاد أن يُقدِّم مسرحاً شبه يومي

عُمر ميقاتي: مسرح شبه يومي لمدة ستة أو سبعة أشهُر وعنده أخلاق وتهذيب وعنده بذخ على الديكور وعلى الملابس ولا يستخفّ بالناس من أجل أن يُملأ جيبه

زاهي وهبي: حلو 

عُمر ميقاتي: عنده فرقة كبيرة، كريم النفس هو وأهله وليس هو فقط، وهذا شيء جيد جداً 

زاهي وهبي: ما من شكّ أنّ "جورج" حفر إسمه في المسرح اللبناني. مِن المسرحيين الذين اشتغلت معهم قبلاً سواء "الشدراوي" أو "روجيه عسّاف" أو "منصور الرحباني" أو "زياد الرحباني" إلى آخره، مَن أكثر شخص أخرج منك كوامِن الممثل، طاقة الممثل الرهيبة؟ 

عُمر ميقاتي: مع "جورج" أدّيت شخصيّة ليست صعبة، عفواً مع "روجيه" حبيبي. الشخصية لم تكن مُتعِبة وليست صعبة و"روجيه " مهندس جميل على المسرح 

زاهي وهبي: بماذا اشتغلت، في " كارامبول"؟ 

عُمر ميقاتي: في " كارامبول" 

زاهي وهبي: نعم، وأنا شاهدتها 

عُمر ميقاتي: كتبها "فارس يواكيم". مع "زياد" هناك إبداع رحباني – زيادي، وأيضاً هناك أناس يعتقدون أن العمل أيضاً مسألة عفوية لكن لا يوجد أصعب من تنفيذ العمل مع "زياد"، لا يوجد أصعب من البروفات مع "زياد" 

زاهي وهبي: لأنّه متطلِّب و"نيقة" في المعنى الإيجابي 

عُمر ميقاتي: في المعنى الإيجابي والناس يعتقدون أنّ المشهد بسيط جداً لكنّه ليس بسيطاً بل هو بسّطه. من الذي كان العمل معه متعة رحِمه الله وكان أستاذاً؟ كان أستاذ والدي في "الفرير"، "يعقوب الشدراوي". أدّيت معه في مسرحية إسمها "العتب عالبصر" وعرضناها في مهرجان (دمشق) الحادي عشر وأحدثت ضجة، وكانت شخصيّتي قائِد الجوقة الموسيقية لـ "الضيعة" الذي يظلّ سكراناً لأنّ كلّ ما يسمعه نشاز 

زاهي وهبي: نعم، مثل الواقع عندنا 

عُمر ميقاتي: صح، وفي النهاية يرمي نفسه على المتخّت

زاهي وهبي: في مسرحية "زياد"، وأنت أدّيت في مسرحتين، "بخصوص الكرامة والشعب العنيد" و"لولا فُسحة الأمل" 

عُمر ميقاتي: نعم، شخصيّة اليائس

زاهي وهبي: كم هذه الشخصيّة تشبهما كلّنا اليوم في شكلٍ أو في آخر؟ مع أنّني لا أتمنّى أن يدخل اليأس على قلب أحد 

عُمر ميقاتي: عندما كان يشرح لي الشخصية كان "طعّان الصافي" قريباً من كونه يائِساً وحضَّر حينها "زياد" المسرحيّة مرّتين وقال لي "نلتقي" والتقينا بعد ستّ سنوات. اليائس خلص لم يعُد عنده انفعالات، هذا الحديث في شخصية اليائس شرحها "زياد" لا انفعالات فيها، مونوتون، لأنه لم يعد هناك 

زاهي وهبي: لا شيء يُدهِشه أبداً 

عُمر ميقاتي: لأنّه تألّم كل الألم واندهش كل الدهشة، حتى عندما كان يريد أن يُخبره كان يدخل عند الضابط برتابة، هذا المشهد الرهيب، ليُخبره. يجلس ولا يقول شيئاً والضابط يكتُب، وينظر إليه "زياد" ويقول له "ماذا؟ أليس هنا المكان الذي يشتكون فيه؟ فيجيبه الضابط: بلى، ما هي قصّتك؟ عندك خلع، كسر، كذا؟ فيرد عليه اليائِس: "قتلوا لي طموحي"، في هذا الدور، "قتلوا لي طموحي في هذا الدور" 

زاهي وهبي: صارت مثالاً على كل حال ويستعملون هذه العبارة كثيراً

عُمر ميقاتي: ويقول له " لو مصيرك يا "نورا" لكانوا قاموا بحسناته" فأوقفونا 

زاهي وهبي: في "الأمن العام اللبناني" 

عُمر ميقاتي: إذاً الدور كان في نفس الـ Tone وكانت هناك مشاهِد غير معقول كم كانت رائعة 

زاهي وهبي: نعم. في هذه المسرحية كان هناك شاب لطيف طيِّب، "طارق تميم" 

عُمر ميقاتي: "طارق"، أجل 

زاهي وهبي: هل يُمكن أن نسمع ما يقوله عن حضرة جنابك؟ 

عُمر ميقاتي: أجل، أجل 

زاهي وهبي: نسمع الفنان اللبناني "طارق تميم" وشهادة عن الأُستاذ "عُمر ميقاتي" 

عُمر ميقاتي: العزيز الحبيب 

شهادة – طارق تميم: أُحب "عمر ميقاتي" كثيراً، يعني لي الكثير. أنا بدأت مشواري مع "عُمر" على فِكرة. أرأيتِ هذه الطيبة التي ترينها على التلفزيون، في الحياة الطبيعيّة أضربيها بعشرة مع الأبّوة لكل الناس الذين يشتغلون معه. كان لي شرف أن أشتغل مع هذا الإنسان. التقينا في المسرح عند "زياد" وهذا اللقاء وطّد العلاقة كثيراً بيني وبينه. هو عنده طريقة في رمي الكلمة، في إلقائها، في تقطيع النَفَس عند قولها، لا أحد يشبهه. "عُمر" مُثقف جداً ويقرأ كثيراً، يعرِف كل الشعراء والكُتّاب العرب ويكتب للإذاعة وعنده ثقافة ومكتبة هائِلة. عندما كنت أقوم بمشروع عن والده أدخلني إلى مكتب والده، حافظ على مكتب والده كما كان، أعني أين كان يضع القلم وأين كان يضع آخِر نصّ كان يكتبه. هو فقط يدخُل ويُنظِّف الغرفة كي تظلّ نظيفة لكنه يترك كل شيء كما تركه "نزار ميقاتي" عند وفاته. إحدى القصص التي رأيتها في المكتب أنه وضع فوق مكتبه مباشرةً، فوق رأسه، لوحة مكتوب عليها: "المُتابعة أهمّ". أنا كنت صغيراً في ذاك الوقت ولم أفهم كثيراً فاضطررت إلى أن أسأله: "أبو "نزار" ماذا يقصد والدك بهذه اللوحة؟ كان يقصد التالي: غير مهم أن تصل إلى الشهرة، الشهرة في النهاية تصل إليك، ربما في ظرف يوم أو يومين أو أسبوع أو سنة أو سنتين، الأهم أن تُحافِظ على المركز الذي أنت فيه، المُتابعة أهمّ. لهذا السبب لم يكن عنده أهداف في رأسه ولا تلك القصص، من أجل هذا كان جيداً إلى هذا الحدّ. لا يقول: "إمّا أنا البطل أو لا ألعب الدور وأريد أن ألعب صفّ أوّل" بل يقوم بعمله وعمله يتحدّث عنه، وعمله عمل شخص كبير جداً، أكبر بكثير من البطل. "أبو نزار"، بعد هذا العُمر كلّه والشغل الحلو الذي اشتغلته بعد هذا العُمر كلّه، يا "عُمر"، ما هو الشيء الذي لم تقم به بعد وترغب أن تقوم به؟ رغم أنّه "تكسّرت النصال على النصال"

زاهي وهبي: شكراً جزيلاً لـ "طارق تميم". جميل جداً ما قاله عنك والسؤال أيضاً حلو. بعد كلّ هذا العُمر وهذه التجارب، هل هناك شيء تحلم أن تقوم به؟

عُمر ميقاتي: الآن أقوم به، أكتب سيناريو سينما وأدخلت فيه الـ Animation مع الناس، شغل أوريجينال ستحبّها كثيراً، سيحبّونها كثيراً

زاهي وهبي: تواكب العصر تعني 

عُمر ميقاتي: تواكب العصر، وهذا الذي أؤمن به 

زاهي وهبي: أقول، حضرتك تواكب العصر

عُمر ميقاتي: طبعاً، ما زلت شاباً 

زاهي وهبي: أطال الله في عُمرك

عُمر ميقاتي: كلهم ست وسبعين سنة (يضحك). العقل لا يتغيّر، تظلّ تحس بينك وبين نفسك أنك طفل. تتذكر مواقف طفولية كنت تعيشها كأنّها كانت بالأمس 

زاهي وهبي: حلو أن يحمل المرء شيئاً من الطفولة معه 

عُمر ميقاتي: إذا ذهبت الطفولة ينتهي الإنسان. أنا أقول إنّ الروح التي في الإنسان هي الطفولة، إذا راحت الطفولة لم يعُد هناك روح 

زاهي وهبي: الاستمراريّة، المتابعة التي تحدّث عنها 

عُمر ميقاتي: هذا شعار الوالد 

زاهي وهبي: ما هو السرّ؟ كيف يستطيع أن يستمرّ الإنسان؟ ربما من السهل أن ينجح، من السهل أن يصل 

عُمر ميقاتي: فسّرها لي والدي وقال لي: المهنة أو الشغل أو الشغف الذي أنت فيه، الذي هو الفن هو عبارة عن سلَّم ممدود صعوداً إلى اللانهائيات، طالما أنت حي تظلّ تصعد السلّم 

زاهي وهبي: لا تصل إلى آخر درجة من السلّم 

عُمر ميقاتي: إذا وقفت عند درجة تُسبَق، أناس سيسبقونك في تطلّعاتهم 

زاهي وهبي: حلو 

عُمر ميقاتي: عليك أن تظلّ تصعد السلّم. هذه جملة لا أنساها وهذه اخذتها كدستور لحياتي، أنّ المتابعة أهم. لا تمرّ ليلة إلا أسمع شيئاً موسيقياً مهماً، مثلاً ماذا سمعت هذا الأُسبوع؟ نحن صرنا في يوم الأربعاء

زاهي وهبي: اليوم السبت

عُمر ميقاتي: اليوم السبت، لن آخذ موقفاً، اليوم السبت. ماذا سمعت أنا منذ خمسة أيام لغاية الآن وماذا شاهدت؟ شاهدت "بحيرة البجع" على التلفون العريض قليلاً لـ "تشايكوفسكي" مع "البولشوي"، سمعت السيمفونية التاسعة للمرة العاشرة لـ "بتهوفن"، أحبها كثيراً، ثم قفزت قليلاً عند "موزارت" الرائع 

زاهي وهبي: دع هؤلاء الشباب يسمعوك، والله العظيم 

عُمر ميقاتي: بعد ذلك عدد من "الصباحيّات" وعدد من "المسائيات"، وحتى في الساعة الثالثة بعد منتصف الليل سمعت السيّدة "فيروز"، بعض الأغاني التي أحبها كثيراً

زاهي وهبي: ما هو حلم رجلٍ تجاوز السبعين؟ ستّ وسبعون سنة، يعني بدأنا العدّ العكسي تجاه الثمانين، إن شاء الله 150 و200 يكونون. ما هو حلم رجل تجاوز الخمسة والسبعين؟

عُمر ميقاتي: هناك أناس أحترمهم وأعزّهم كثيراً يقولون" يعطيك العُمر طالما العُمر يليق بك" 

زاهي وهبي: صحيح

عُمر ميقاتي: أرذل العُمر لا نريد أن نصل إليه، إن شاء الله ربّنا يمِنّ علينا ألا نصل إلى أرذل العُمر وهو فقدان الميزان في العقل. طالما العقل يتمرّن يظلّ جاهزاً وهذه أؤمن بها، طالما الإنسان يستعمل عقله ويُنشِّط عقله حتى لو أراد أن يلعب طاولة 

زاهي وهبي: طاولة زهر 

عُمر ميقاتي: طاولة زهر، أنا ألعبها على التلفون دائِماً. على المرء أن يظلّ يُمرِّن دماغه 

زاهي وهبي: صحيح، وحتى ينصحون بهذه الأشياء كي يتجنّب المرء الزهايمر وأمراض الذاكرة

عُمر ميقاتي: يُبعدهم المرء ولا يعود يراهم في نمط حياة مُعيّن، في النوم وفي الأكل وفي التهذيب الجسدي في كلّ معانيه إلى آخره. فأحس أنه إذا ربنا يُعطيني

زاهي وهبي: استوقفتني هذه "التهذيب الجسدي " في كلّ معانيه 

عُمر ميقاتي: نعم

زاهي وهبي: أن يقوم برياضة؟ 

عُمر ميقاتي: رياضة ولا يسهر كثيراً ولا يشرب ويتوقف عن الزعرنة 

زاهي وهبي: أيوه، يعني يتروّى قليلاً 

عُمر ميقاتي: ثمّ كم هو حلو أن يكونا الرجل والمرأة اللذان أسّسا الأُسرة مثالاً لهذه الأُسرة في حياتهما وفي نمط حياتهما؟  

زاهي وهبي: حضرتك ورِثت، يُمكننا أن نقول جينياً ولاحقاً في التمرين عن الوالد هذه الموهبة وحبّ الفنّ وعشق الفنّ. من أولادك، من عائِلتك الله يخلّيهما، بنتان وشابان أليس كذلك؟ 

عُمر ميقاتي: نعم 

زاهي وهبي: هل هناك أحد في هذا الكار؟ 

عُمر ميقاتي: واحد منهم أنا أتّهمه دائِماً بأنّ مقصِّراً تجاه نفسه. عندما كان في سنّ السنوات الست أدهشني مرة عندما رأيته يرسم حصاناً بالقلم. رسم رأس الحصان وذنب الحصان ورِجل الحصان والمفاصل ثمّ جمعهم. كان عمره ستّ سنوات، هنا صرت أؤمن 

زاهي وهبي: من "نزار"؟ 

عُمر ميقاتي: "نزار" الذي صار الآن في الأربعين. لم يُكمِل وأنا دائماً ألومه وقلت له: "لماذا لم تُكمِل؟ عندما كنت في عمر الست سنوات لا أحد استطاع أن يرسم هذه التفاصيل"، فعلاً أنا أرسم 

زاهي وهبي: الآن أولادك يعيشون في (لبنان) أم مسافرين؟

عُمر ميقاتي: في (لبنان). عندي ابنتي "مروة" تحضِّر الآن دكتوراه 

زاهي وهبي: أين؟ 

عُمر ميقاتي: في (أميركا)

زاهي وهبي: على كلّ حال نُمسِّيهم بالخير. "نزار"، ومن أيضاً 

عُمر ميقاتي: "ميّ" وصار عندي أحفاد. حفيدة في الجامعة والثانية على الطريق 

زاهي وهبي: نعم. "نزار" و "ميّ" 

عُمر ميقاتي: و"مروان" وهو موظف بنك بعد أن أنهى الجامعة. كلهم اتجهوا للعِلم، أنا استثمرت كلّ تعبي على العِلم. كلّهم تعلّموا وتخرّجوا، هذا أهم شيء 

زاهي وهبي: الله يخلِّيهم

عُمر ميقاتي: و"مروة" وهي الآن في (الولايات المتحدة) في ولاية (ميسوري) مدينة "سانت لويس" في جامعة (واشنطن)، تخصّصت قبلاً في (بوسطن) بعد أن حصلت على منحة من (لبنان) بقيمة ثمانين في المئة وبقي عشرون في المئة أعاننا الله عليهم، لا يزال هناك حوالى 25 ألفاً تقسّطوا. لكن عندما درست "مروة" درست في اختصاصين، رياضيات وNeuroscience وعندما قدّمت أوراقها أخذوها منحة كاملة للدكتوراه وهي الآن صارت تُرسل لي المال 

زاهي وهبي: الله يوفّقهم وإن شاء الله يكونون أبناء أبراراً في حقّك. هل تشاهِد الدراما اللبنانية اليوم؟ هل تتابع المُسلسلات؟ ما رأيك في الجيل الجديد من الممثلين، من النجوم والنجمات؟ 

عُمر ميقاتي: هناك نجمات صرنَ معروفات وصار لهنّ إسماً تجارياً في السوق كما يقولون، معروفات وما من داعٍ لأذكرهنّ، معروفات. لنتحدث عن النجمات اليافعات

زاهي وهبي: أريد أسماء لو سمحت 

عُمر ميقاتي: "نادين نجيم" تلفت الانتباه 

زاهي وهبي: أجل، مَن أيضاً 

عُمر ميقاتي: "سيرين عبد النور"، ممثلات ولسن فقط حلوات، يمثلن ونجحن لأنّهن يمثلن

زاهي وهبي: ومن الشباب؟ أم تميل إلى الجنس اللطيف أكثر؟ 

عُمر ميقاتي: لا، من الشباب هناك "يوسف الخال" رائِع، "عمّار شلق" اشتغلت معه أكثر من عمل، رائع أيضاً، "كارلوس عازار" وهناك بعد، نسيت، هناك غيرهم

زاهي وهبي: ستتذكر. مُستوى الدراما في شكلٍ عام، مُستوى الدراما اللبنانية هل تجدها إلى الأمام أم راوح مكانك؟ 

عُمر ميقاتي: لا ستتقدّم إلى الأمام إن شاء الله حكماً 

زاهي وهبي: لماذا؟ 

عُمر ميقاتي: وإلا تسقُط، لأنّ هناك أعمالاً أُخرى عالمية وعربيّة قوية تنزل إلى الأسواق، منها تركية. على فكرة الأتراك ليسوا قليلين أبداً 

زاهي وهبي: يسخون في الإنتاج، ترى أعمالاً صُرِفَ عليها الكثير 

عُمر ميقاتي: عندهم سخاء وممثلون وتنوُّع وكِثرة وتلوين. أعني هناك أعمال رائِعة تأتي وهناك أعمال كما تعلم أينما كان، حتى في (هوليوود)، ساقطة 

زاهي وهبي: في المسرح، مَن اليوم الإسم الذي إذا علِمت أنّ عنده اليوم عرضاً مسرحياً تخرج من البيت وتذهب من أجله وتقصد المسرح 

عُمر ميقاتي: أوّلهم الشباب الخرِّيجون الذين يقومون بأعمال تجريبية، أحب أن أشاهدهم، أُحب أن أعرِف أين صاروا، أحب أن أُتابعهم. طبعاً إذا "روجيه" عنده عمل سأركض لأشاهده، "روجيه عسّاف" أطال الله في عُمرِه. أيّ شخص من المسرحيين العريقين في المسرح، صاروا قلائل جداً، صاروا شبه معدومين

زاهي وهبي: لو صار لك أن تقول كلمة لـ "نزار ميقاتي" والدك الراحل ما يُمكن أن تقول له اليوم؟ 

عُمر ميقاتي: أقول له، الله يعطيني العُمر. في فترة قريبة سيصدُر الكتاب الذي سيكون إسمه "مشوار "نزار"، واشتغلته مثلما أنت كنت مُبدِعاً في حياتك اشتغلته في شكل أوريجينال، اشتغلته حوار معك ومع أصحابك "توفيق الباشا" ومع أناس صاروا معك في دنيا الحقّ. أقول له: من اللازم أن يعطيك الكتاب حقّك لأنّ في هذا البلد للأسف المسؤولية الرسمية إجمالاً تكون موجّهة للأسف ولا ترى في كل العيون، لها عين واحدة ترى من اتجاه واحد 

زاهي وهبي: في اتجاه المحظيين. قلت في البداية إنّك إلى حدٍّ ما راضٍ على المشوار، هلّ نلت ما تستحقّ؟ اليوم أنت تُكرِّم والدك من خلال هذا الكتاب الذي تريد أن تصدره، حضرتك كُرِّمت؟ نلت ما تستحقّ من تكريم؟ أنا أعرِف أنك نلت جائِزة "الموريكس" وتستأهل أكثر، أعني هذه الجائزة تُكرَّم بك 

عُمر ميقاتي: والله أنا تكرّمت في تكريم "تلفزيون لبنان" لي سنة 2006، "كبارنا" أو شيء، "مُبدعينا" مع "ميشال حوراني"، وهذا التكريم أثَّر بي كثيراً لأنني اشتغلت لـ "تلفزيون لبنان" فترات طويلة 

زاهي وهبي: وأُستاذ "ميشال حوراني" كان يُكرِّم الكبار وبقدم برنامجاً حلقاته تكريمية 

عُمر ميقاتي: لكن أعتزّ أكيد، "الموريكس" كانت نتيجة أعمال وأنا لم أكن أعلم، جاءني اتصال بأنني فزت بجائزة "الموريس" 

زاهي وهبي: على المُستوى الرسمي

عُمر ميقاتي: على المُستوى الرسمي وزارة الثقافة كرّمتنا، كرّمت بعض الزملاء مثل "أمال" و"هند طاهر" الله يرحمها، وكرّمتني مع السيّدة "وفاء طربيه" في نفس اليوم 

زاهي وهبي: كلاكما تستأهلان 

عُمر ميقاتي: وتكريمات عديدة، أهم تكريم أو من أهمّها تكريم الجيش اللبناني عندما قدّمنا له إعلانات للجيش اللبناني حينها، أنا و "عمّار شلق" و"تقلا شمعون" وغيرنا، فكانت هناك حفلة في (اليرزة) وعشاء حلواً وكرّمونا وحدثت مسألة حلوة في التكريم 

زاهي وهبي: وهي؟ 

عُمر ميقاتي: قصة الشباب الجنود الذين قُتلوا 

زاهي وهبي: في (عرسال)؟ شهداء الجيش 

عُمر ميقاتي: أجل، وكان حينه مسؤول العلاقات العامة أعتقد العميد "حطيط" 

زاهي وهبي: نعم "جميل حطيط" 

عُمر ميقاتي: أعتقد إذا لم أكن مُخطئاً، كنت أجلس إلى جانبه لأنه هو يشرب "أناناس" وأنا كذلك، و"طلال" مكفّى وموفّى في الباقي. إذاً أقولها لك، مسألة حلوة، كلّفوني أن أقول كلمة عنه بعد التكريم. هو بدأ في توزيع الـ Trophies أو الدروع وبدأ بي ولاحقاً بالأبجدية وكانوا يصوّرون، فقلت لهم: حضرة الجنرال بدأ بي ثمّ بدأ في الأبجدية، أريد أن أسألكم سؤالاً، الشباب اللبناني والشباب من الجيش الذين يستشهدون، هل يستشهدون في التسلسل الأبجدي؟ 

زاهي وهبي: ألف رحمة لشهداء الجيش وألف تحيّة لأرواحهم ولذكراهم 

عُمر ميقاتي: ولكل الشهداء الذين استشهدوا في سبيل هذا التراب المُقدّس 

زاهي وهبي: نعم، دفاعاً عن (لبنان)، شهداء الجيش والمقاومة. (بيروت) التي تحدّثت عنها في "قطع وصل" في هذا الحب وهذا الحنان، ماذا تُمثِّل لك؟ ماذا تعني لك؟ 

عُمر ميقاتي: أريد أن أسأل "عُمر الزعنّي" وأعود لعنده وأنا لعبت دوره في "كبارنا" في الـ LBC. "عمر الزعنّي" أهله أرادوا والمؤسّسة أرادت أن أؤدّي دور "عمر الزعنّي" 

زاهي وهبي: الشاعر والفنان الشعبي الشهير 

عُمر ميقاتي: هناك أُغنية لـ (بيروت) يقول فيها "بيروت زهرة في غير أوانها"، ويتحدّث عن (بيروت) الشباب و"سباق الخيل" والطبقات وآل "بعيني" وكذا وفي النهاية ماذا يقول؟ 

زاهي وهبي: ما أشبه اليوم بالبارحة 

عُمر ميقاتي: ماذا يقول في الآخِر؟ تغفو على أمّها وتموت (بيروت). شيء مُرعب. "عمر الزعنّى" هذا رأى شيئاً مرعباً، وهذا الشيء منذ سبعين أو ثمانين سنة 

زاهي وهبي: لكن إن شاء الله إرادة الحياة تظلّ أقوى في (بيروت) 

عُمر ميقاتي: الموت أحياناً يكون للتجدّد 

زاهي وهبي: ولادة جديدة

عُمر ميقاتي: نعم

زاهي وهبي: (طرابلس)، كيف تحضر في ذاكرتك؟ 

عُمر ميقاتي: (طرابلس)، الطِيبة، العائِلة، الأهل، ذكريات الطفولة، عمّتي وأولاد عمّتي، وأولاد عمّي، طفولتي. طلعة "الرفاعيّة"، كان بيتنا في طلعة "الرفاعيّة"، و"الرفاعيّة" هي وليّة. كانت تأخذني أمّ "عرفان" التي كانت تأتي وكان بيت عمّتي وزوجها مفتوح وعندها "صالون الجمعة" ويسمّونه استقبال، 30 أو 40 نارجيلة عجميّة تكركر، ويأتي "عُمر" يسعدن. في مرّة وضعت لهم أسطوانة حين كنت صغيراً، مع إبن عمّتي الكبير إسمها "ريس سلفادور" كلّها ضحِك، أسمعناهم إياها على الراديو وبدأنا نشتغل بهم. هناك شخصية أريد أن أُخبرك عنها كشاعر أيضاً، مبدع 

زاهي وهبي: نعم، هات لنشوف 

عُمر ميقاتي: "أمّ عرفان" هذه سأكتب عنها. "أمّ عرفان" كانت تسكن في طلعة "الرفاعيّة" وتأتي لعند عمّتي دائِماً لترى لهم "البخت"، أحدبة وعمرها فوق السبعين وصوتها عريض وعندها خال في خدّها وعيناها مكحّلتان طبيعياً وكانت تلبس منديلاً أسود وجبّة سوداء، تأتي وفي فمها سيجارة وتقول لي: "تعال يل "عمّورة"، نريد أن نذهب ونُضيء شمعة لـ "الرفاعيّة". تأخذني، وكلّما مسكت يدي تُصلّي عليّ وتقول" الصلاة على النبي". مسِكَت ذاك "الوَدَع" وضربته وقالت" ما شاء الله، ما شاء الله"، هذا المشهد كان أمام عينيّ وأنا في عُمر السنوات الأربع، فسألتها "ماذا"؟ وأنا إبن أربع سنوات وأرى هذه الشخصية، يعني الطفل يشاهِد شخصية أُسطوريّة بالنسبة له، فقالت: "ما شاء الله، نجمَك سيلمع" 

زاهي وهبي: وصدقت 

عُمر ميقاتي: قالت لي "نجمك سيلمع"، هل لمع؟ ما زلت أشك 

زاهي وهبي: لمع وأكثر، وإن شاء الله يظل لامعاً 

عُمر ميقاتي: طالما لمع في العيون المُحِبّة، في العيون الطيبة، أنا دائِماً أقول: الناس وصلت إلى مراحل من الرُقيّ والعلم والحضارة ويتقدّمون لكنهم متأخرون في بلاد التقدّم في العلم الطبّي. ليت هذه الأموال التي يصرفونها على القنابل الهيدروجينية والذريّة والأسلِحة الفتّاكة يحوّلونها لوقف الجوع في (أفريقيا) وفي (أفريقيا) ويحوّلونها للطب والعِلم. مُشكلتنا هي في الجشع للمال الذي خرب العالم كلّه 

زاهي وهبي: للأسف. على كل حال أتمنّى لك العُمر الطويل والمزيد من العطاء، ونحن نُحبك ونُقدِّرك ونفتخر بك ونجمك دائِماً لامع بإذن الله 

عُمر ميقاتي: وأنا سعيد جداً في أنني في استضافتك الآن

زاهي وهبي: أهلاً وسهلاً وأنا أسعد. شكراً لفريق العمل، والشكر الأكبر دائِماً لمُشاهدينا في كلّ أنحاء العالم. نلتقيكم الأُسبوع المقبل على خير بإذن الله