الفنان اللبناني أسامة الرحباني

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. لا يزال ضيفنا العزيز يواصل رحلة بحثه الموسيقي تأليفاً وتلحيناً وعزفاً وحضوراً نابضاً في المشهد الإبداعي العام على الرغم من كلّ الظروف الصعبة التي نعيش، مُصرّاً على التجذيف عكس التيار، مُبتعداً عن السائِد والمألوف تحت مُسمّى الموسيقى والغناء عساه بذلك يظلُّ أميناً لبيتٍ صار إسمه مُرادفاً لرقيّ الفنّ والإبداع وعائِلةٍ ساهمت في صناعة مجد (لبنان) أو في رسم صورة وطنٍ لم نعثر عليه إلا في الأُغنية والخيال. "بيتُ القصيد"، بيتُ المُبدعين العرب يُسعَد باستقبال الفنّان اللبناني المُبدِع الأُستاذ "أُسامة الرحباني"، أهلاً وسهلاً نوّرت "بيت القصيد"

أُسامة الرحباني: أطال الله في عُمرِك، أهلاً بك "زاهي" وشكراً على المُقدِّمة 

زاهي وهبي: تستأهل أكثر أكيد 

أُسامة الرحباني: الله يخلّيك 

زاهي وهبي: لكن الوقت يحشِرنا أحياناً ولا نستطيع أن نجود كما يقولون 

أُسامة الرحباني: شكراً 

زاهي وهبي: نحن لا نتحاور للمرة الأولى، لكن للمرة الأولى أنا أقرأ لك تصريحات صحافيّة تقول فيها إنّك تُفكِّر بالهجرة من (لبنان). هذه أول مرة أسمعك تتحدّث في هذه الطريقة 

أُسامة الرحباني: للصراحة، ربما فكّرت في آخر السنة في نفسي وقلت: ماذا يفعل المرء بعد ولمَن يفعل هذا الشيء ولماذا نبقى هنا؟ قبلاً كنت أذهب وكان في إمكاني أن أعيش في الخارج لفترات، لكن أعود وأقول: أشتاق إلى الحائِط الموجود في الحيّ عندي وفي بيتي، للصالون عندي ولسريري وأصحابي وأصدقائي. عندما تمرّ في هذا الشارع تُسلِّم على أناس يسلّمون عليك، هناك نوع من العطف، الناس قريبون من بعضهم. في الغرب لا يعرفك الناس، أنت رقم تمشي مثل هؤلاء الناس وتحسّ أنّك لوحدك، هناك وِحدة. لكن أحياناً تقول: أن يعيش المرء أفضل من أن يُذلّ في بلده، يكون ذلك أحسن، لأنّك أحياناً تكون مُهاجراً وأنت في بلدك 

زاهي وهبي: ما أكثر ما أذاك في هذه المرحلة كمواطن لبناني وكإنسان وكفنّان؟ 

أُسامة الرحباني: أنني لم أستطع العثور على الوطن الذي أنا أراه لا من خلال الوعود التي يعطينا إياها السياسيون الذي لا أؤمن بهم كثيراً للصراحة. تحبّهم ويحبّونك وهناك أناس لا تختلف معهم لكنّهم ليسوا على مستوى تطلّعات الناس الذين أُمثِّل شريحة منهم وأيضاً غيري من الناس كذلك لأننا مثل بعضنا في هذا العالم، لم يعودوا يحكون لغتنا. نحسّ أننا تخطّيناهم وصار العالم مُطّلِع أكثر ويتّجه أكثر نحو الأفكار. ما ينقُص هو الضمير، ما ينقُص هو الإنسانية في التعاطي. لا يمكنك أن تظلّ تتعاطى في مُحاصَصة وفي تفكير طائِفي وفي تفكير مذهبي وفي تفكير عائِلات، هذا الـ Package الموجود بين العائِلات ورجال الدين والإقطاع والسياسة لم يعُد يصُحّ

زاهي وهبي: تحالف الإقطاع السياسي والإقطاع الديني

أُسامة الرحباني: صار لنا ثلاثمئة أو أربعمئة سنة هكذا معاً 

زاهي وهبي: لو فرضاً هاجرت، طبعاً لن تُهاجِر ونحن لا نتمنّى أن تُهاجِر، إلى أين يمكن أن تُهاجِر؟ 

أُسامة الرحباني: أنا من الناس الذين يحبّون كثيراً العيش في (نيويورك) أو (لندن) أو (باريس). لكن (لندن) لأنّ فيها مسرح وفيها الكثير من الثقافة و(نيويورك) الشيء نفسه. يعني خلال مكوثي في (نيويورك) كنت في كلّ يوم إما أُشاهد مسرح أو متاحف، يعني على مُستوى الثقافة (نيويورك) مسألة كبيرة جداً وتعني لي، و(لندن) الشيء نفسه، لا يُمكنني أن أعيش من دونهما 

زاهي وهبي: ماذا تختار كبلد عربي؟ 

أُسامة الرحباني: أنا عشت فترة في (دبي)، أخي "مروان" تقريباً كأنّه في هجرة في (دبي)

زاهي وهبي: "مروان" يعيش في (دبي) 

أُسامة الرحباني: و(دبي) حلوة كثيراً وفيها راحة وكل شيء، لكن أنا أُحب التصادُم الفِكري والتصادُم 

زاهي وهبي: الثقافي

أُسامة الرحباني: هناك شيء يُعلّقني بـ (لبنان)، ليس فقط الثقافة بل أيضاً السياسة والتشرذم والقتال السياسي والتفكير في اليسار وفي اليمين وفي التطرُّف وفي الاعتدال، في "المُحافظين" وفي الثوّار، هذا يعطيني غلياناً Special يجعلني أعيش أكثر، يجعلني على توتُّر. لا يُمكنني أن أحسّ نفسي مُسطّحاً 

زاهي وهبي: نعم، لا يُمكنك أن تعيش في مُجتمع راكِد، يعني فيه ركود 

أُسامة الرحباني: أكيد، مقولة نحن نُفكِّر عنك وأنت عليك ألا تُفكِّر وأنا لا أُحب هذا 

زاهي وهبي نريد أن نُفكِّر نحن

أُسامة الرحباني: أكيد 

زاهي وهبي: هل نحن شعوب أو شعب لا نتعلّم من تجاربنا؟ لماذا نُعيد؟ يعني صار لنا منذ أن وعينا على هذه الدنيا، إذا أحضرت حواراً بين حتى آبائنا وأجدادنا 

أُسامة الرحباني: الشيء نفسه 

زاهي وهبي: لو تسنّى أن يكون مُسجّلاً مثل هذا الحوار تجد أنهم كانوا يحكون في نفس القصص 

أُسامة الرحباني: لأنّ "زاهي" هذه أشياء لها علاقة بالجينات عند الإنسان، نتحدّث عن فترة أربعة آلاف سنة ولم يتغيّر شيء في هذه البُقعة الكنعانية والفينيقية والحضارات التي تعاقبت، الشيء لا يزال هو نفسه. كنّا أقوياء كأفراد وضعفاء كمجموعة. الممالك التي كانت على شواطئ الكنعانيين كانت تتّحد مع بعضها ضدّ آخرين تحت احتلال أو تحت سطوة مُحتلّ. مثلاً جاء "نبوخذ نصّر" كان يفرِض على هؤلاء أن يكونوا ضد أحد، "الإسكندر" جمع الكلّ ضد (صور)، "أرتحششتا" جمع الكلّ ضدّ (صيدا). كما تعرِف، لم تكن عندهم هذه العقليّة الكبيرة والواسعة كجمهورية أو كإمبراطوريّة مثل "الرومان"، بقوا ممالِك على حجمهم وتُجّاراً ولم يُفكِّروا في أكثر من ذلك

زاهي وهبي: كأنّ هذه الجينات لا زلنا نتوارثها 

أُسامة الرحباني: طبعاً، هناك أشياء جيّدة جداً لكن الكثير من السيّئات التي أخذناها منهم بقيت وتطوّرت مع الحضارات أكانت الحضارة المسيحية ثمّ العرب ولاحقاً مع الإسلام ولاحقاً مع العُثمانيين وثم مع الفرنسيين. هذا يعني أنّ تركيبتك هي نموذج عن هذه التشكيلة الموجودة 

زاهي وهبي: شيء من كل شيء

أُسامة الرحباني: طبعاً 

زاهي وهبي: حسناً، كلّما تحدّثنا عن (لبنان) نتذكّر الوطن "الرحباني"، نتذكّر وطن "الأخوين رحباني" و"فيروز" ونرجع إلى نفس السؤال، هل باعونا الوَهْم؟ ربما تحدّثت في ذلك معك قبلاً، لكن سريعاً، أم كان هنالك شيء من هذا الحلم "الرحباني" من الواقع؟    

أُسامة الرحباني: أُريد أن أسألك شيئاً. عندهم الكثير من الواقع إذا تراجع حقاً، لكن الفرق أنّ المُشاهِد العربي أحياناً أو المُستمِع العربي لا يأخذ الأفكار ويترك في رأسه أحياناً الأغنية ويترك أفكار "الأخوين رحباني" اللذان جاءا بالفِكر إلى الفنّ في العالم العربي. كانت أفكارهما لها علاقة بمسرحهما وكانت هي الأساس وكانت هي الثقل وليس فقط الأُغنية 

زاهي وهبي: دائماً كان هناك المظلوم والحاكم والفقير 

أُسامة الرحباني: طبعاً، وأنت تعرِف "ملهب" المُهرِّب في مسرحية "يعيش يعيش" وتعرِف شخصيّة كل إنسان، يعني كانت النهاية في كل مسرحية لهم مأساوية، لا وقت عندنا لكي نُعدِّل لكن النهايات كانت عندهم مأساوية وكانوا يقولون عنهم إنهم أكثر الناس الذين يوصلونك إلى المأساة وأنت تضحك. أنت تبقى لك الأُغنية وتُسرّ بها ولكن فعلاً 

زاهي وهبي: تعني أنّ الأكثر انتشاراً هي الأُغنية

أُسامة الرحباني: أكيد. "جبال الصوّان" مأساة في النهاية ومسرحية "فخر الدين" مأساة أيضاً، يموت الأب ويموت "فخر الدين"، وفي "جبال الصوّان" كلّهم يموتون. وفي مسرحية "يعيش يعيش"، تخايل أنّ الإمبراطور يعود إلى المُهرّبين ويكون أول مَن يظلمهم رغم أنّ هم الذين جعلوه أقوى ودافعوا عنه

زاهي وهبي: حتى مع "منصور" لوحده لاحقاً في مسرحية "صيف 840" نرى الشيء نفسه، أي النهايات مُتشابهة 

أُسامة الرحباني: مأساوية ولا يرون الوطن حلواً إلى هذا الحد، لكن الفرق أيضاً من جهة أُخرى، بالتحديد من الجهة الفنيّة، أن تحلم وأن تسمح لنفسك برؤية أشياء هم رأوها واشتغلوا عليها. أولاً هم هكذا نشأوا في المناطق الحلوة والتي تتحدّث عن جمال الطبيعة التي استمدّوا منها، ولكن نحن لم نكن نعلم ونفّذنا ولم نكن على قَدْر أفكارهم، فهل نستكثِر عليهم إذا طلبوا أن تكون البلدية مثلاً مثل بلدية (أوسلو)؟ أو في (النروج) أو في أية بلدية في (فرنسا) تهتم بالبيئة وأشياء أُخرى؟ لا! لكن هنا أعود وأقول 

زاهي وهبي: في مسرحهم كان بائِع الخضار وماسِح الأحذية والعتّال 

أُسامة الرحباني: طبعاً، كل المُجتمع وهذه شخصيات لبنانية، الخبيث الذي يُنفِّذ كل ما يقولونه له، "أبو فارس" أبو لُحافين الذي لا يدري أين سيقف ويُسمسِر، يعني كل الشخصيات التي تراها موجودة عندك وضعوها في مسرحهم وفي أفكارهم، إلى هذا الحدّ عندهم شموليّة. الوطن "الرحباني" هو مشهد كبير تشاهِد فيه الوضع السياسي في كل لحظة 

زاهي وهبي: أُريد أن أرجع لعندك "أُسامة" لكن دعنا نذهب أولاً إلى منزلك في (أنطلياس) برفقة زميلتنا "سحر حامد" ونسمع ما قلته في "قطع وصل" ثمّ نعود إلى الأستديو

قطع وصل - أُسامة الرحباني: 

- الفن في هذه الأيام تحدٍ صعب ومُتعة لأنّ في النهاية إذا الإنسان لا يعمل بمتعة فعنده مُشكلة، وأيضاً أن يستمرّ في هذه الظروف الاقتصادية والعالمية التي نمرّ بها وهذا الكم الكبير من الفن، أمرٌ صعب أيضاً

- الحضارة تواصُليّة، تأخذ من بعضها وتُعدي بعضها. لهذا السبب أنا أجد العكس، أتعلّم الكثير ربما من الـ Idol وبالنسبة لي "شيكوايو" كان بالنسبة لي هو الـ Idol ولا يزال، واحترام كبير جداً لشخص مثله أو لـ "مايز دايفيس" مثلاً في الموسيقى. "مايكل جاكسون" في الموسيقى الـ Pop، "الأخوين رحباني" في الفن، لكن على العكس تتعلّمين منهم وتسرّين منهم وتغرفين منهم وتشتفّين طريقك، لكن أن تثوري؟ لا. ربما تثورين على بعض الأشياء التي أنت ترغبين في رؤيتها مثلما أنتِ تريدين من دون فِكرة تحطيم التماثيل أعني

- أنا مرتاح مع نفسي، أحترم غيري وأحترم حدود حريّتي لكن لا أحد في إمكانه أن يُقيِّدني. ليس عندي فعلاً تابوهات في الحياة، لكن بيني وبين الآخرين وبين معتقدي ومعتقدات الآخرين وبما أؤمن وبما أُفكِّر، لا أحد له معي في هذا الشأن. أنا حرّ في هذه المسافة، يعني يمكنني أن أمدّ هذه المسافة بقدر ما أُريد لكن طالما لا أؤذي غيري ولا أُريد أحداً أيضاً أن يؤذيني، أعني لا أحد في إمكانه أن يضبط لي أفكاري 

- الفنّ تغيّر كثيراً وأنا لا أستطيع أن أماشي ما يعاكِس ضميري ويعاكس أفكاري، لا، أنا أظلّ أمشي كما أنا أمشي، كالسهم لا أُغيِّر وليس في نيّتي أن أُغيِّر، عكس التيّار تماماً. في كل العالم العربي عندنا موسيقانا وعندنا أفكارنا وعندنا مسرحنا وعندنا طريقة الغناء الخاصة بنا، عندنا نصوصنا الخاصة التي تلمس الناس في داخلهم وليس فقط سطحياً 

- هناك مسألة بالنسبة للجديّة؛ الناس يجدونني قاسياً أحياناً، ربما يرون الوجه الذي أشتغل فيه في التلفزيون مثلاً. ما من شك، في شغلنا، في العمل أحيانا هناك قساوة نعم وهناك نوع من الجديّة والاحتراف العالي لكن في الحياة كثيراً ما يضحك الإنسان ويمزح وأُحبّ الأصحاب كثيراً وأُحبّ كثيراً التخاطُب مع الناس. أنا على العكس، قريب جداً من الناس على عكس ما يعرِف الناس تماماً

- أولاً بالنسبة إلى انتقادي لغيري، أنا أنتقد في عملي. يعني أنا لا أسمح لنفسي أحياناً حين يسألني الكثير من الناس أسئِلة لها علاقة بالموسيقى وكذا، أُعطي آراء عمومية ولا أُخصّص لأنّني حين أشتغل في النقد يكون لي الحق أن أخصّص. لكن يُمكنني أن أقول لكِ أنني أعرِف تماماً كيف أنتِ. بالنسبة للمواضيع التي تعنيني شخصياً، مثلاً وظيفتي أن أقوم بهذا الشيء، أضطر أن أنتقد وطبعاً أكون قاسياً ولكن مع الناس الذين أشتغل معهم. أكيد أتحمّل النقد كثيراً جداً، أكثر مما تتصوّرين، لكن أحياناً هناك أناس يعتدون عليكِ قصداً بأفكار معيّنة. هنا أقول لك، اعتدنا هذا الأمر ولم يعُد هذا يعني لنا كثيراً، نحن مثل شخص تمرّس على هكذا نقد مقصود، وكل إنسان مُعرَّض للنقد. كان أكثر من كان ينتقدنا هو "منصور" في شكلٍ قاسٍ جداً، أكثر من كونه والدنا، لكننا اعتدنا ذلك جداً ولم تكن عندنا مشكلة في ذلك 

زاهي وهبي: لا أستطيع أن أرى هذا البيت ولا أتذكّر والداك "منصور" و"تريز" رحمهما الله

أُسامة الرحباني: طبعاً "زاهي" أنتم أصدقاء وكنتم مُقرّبين من "منصور" 

زاهي وهبي: من حُسن حظّي أنني كنت صديقه وكنت قريباً منه، هذا شيء أعتزّ يه في حياتي. أن يكون المرء إبن "منصور الرحباني" ربما نعمة من النِعَم في جانب من الجوانب لكن كم في نفس الوقت هذا الإرث يُحمِّل ثقلاً؟ 

أُسامة الرحباني: سأقول لك شيئاً. هذه مسألة تنشأ معك ولا تعود تعرِفها لأنك تُصبِح كأنك تربيّت معها 

زاهي وهبي: تحصيل حاصل

أُسامة الرحباني: لكن ما مِن شكّ أننا نشأنا في جو نعرِف فيه مَن هم "الأخوين رحباني" ومَن هي "فيروز" في البيت. أعني كل العائِلة كانت تعرِف أنك كنت تعيش مع أساطير حيّة ولم تكن هناك وسائل تواصل اجتماعي، لكي أوضِح للناس. هنا الصديقة القطّة صارت حول قدمي 

زاهي وهبي: هذه قطّة البرنامج 

أُسامة الرحباني: طبعاً. وصلنا إلى درجة أننا صرنا نعرِف الأشياء ونحترِم الأشياء الموجودة حولنا وكنّا نعرِف الجو الذي كنّا نعيش فيه والناس المحيطين بنا من شُعراء ومن أطباء ومن المُفكّرين الموجودين حولنا، نشأنا في هذا الجو. الآن أقول لك، أنت تنشأ وتشقّ طريقك وخطّك وهذا الهدف الذي تريد أن تصل إليه بغضّ النظر أنك قد تصطدِم مع الأهل أو في شيء أو في أفكار لا علاقة لها بهدفك لكن أنت تريد أن تُكوِّن شخصيتك 

زاهي وهبي: تحسّ أنّك كوَّنت شخصيّتك؟ 

أُسامة الرحباني: طبعاً أكيد، شخصية مختلفة أكيد طبعاً أكان في الموسيقى أو حتى في المسرح ولو أخذت والدي إلى ملاعب. الجميل فيه أنّه كان عنده أيضاً هذا التجدّد، يشابه قليلاً "بيكاسو" في انتقاله من مرحلة إلى أُخرى 

زاهي وهبي: يمرّ في مراحل

أُسامة الرحباني: طبعاً أكيد لأنه يريد أن يسمع وأن يرى، كان يُحب أن يرى ما يُمكن أن يعطوه الناس الجُدُد. أساساً طوال حياتهم "الأخوين الرحباني" كان عندهم هذه الشغلة وموجودة في مسرحهم وفي التطوّر المسرحي إذا قسّمته على أربع مراحل 

زاهي وهبي: نعم. الإرث "الرحباني"، إرث "الأخوين رحباني" لا يزال موضع خلاف بين الورثة، "كلّما دقّ الكوز بالجرّة" يخرُج هذا الخلاف إلى العَلَن. ألا يستحقّ هذا الإرث تفاهُم الوَرثة عليه؟ أبناء "عاصي" وأبناء "منصور" 

أُسامة الرحباني: في البداية يجب أن نوضِح للناس، الإرث "الرحباني" يخُص فقط شخصين، فقط شخصين كتأليف وتلحين وكتابة وحقوق ملكيّة فكرية، يخُص فقط "الأخوين رحباني" 

زاهي وهبي: "منصور" و"عاصي"، نعم. أطال الله في عُمر "فيروز"  

أُسامة الرحباني: طبعاً، الورثة هم النصف بالنصف

زاهي وهبي: "فيروز" و"ريما" و"زياد" 

أُسامة الرحباني: صحّ 

زاهي وهبي: وحضرتك و"مروان" و"غدي" 

أُسامة الرحباني: نحن من جهتنا، أنت تتقاتل مع الناس إذا وجدت أحداً ليجيبك. لا أنا شخصياً ولا "مروان" ولا "غدي" دخلنا في هذه المتاهة طوال حياتنا ولا نتعاطى. لا يسمح لنا مستوانا لا الفِكري ولا الثقافي ولا موقعنا الفنّي ولا حبّ الناس لنا أن ندخُل في هذه المتاهات ولا نقبل. ربما طرف آخر يرى الأشياء كما يريد ويضع القانون كما يُريد. نحن شخصياً أقول لك إنّ هذا من الضروري أن يُقام به وهذا الشيء ليس في الإعلام 

زاهي وهبي: وهذا ما أقوله، أن تتجالسوا معاً. أنا كل احترامي لكم 

أُسامة الرحباني: طبعاً أكيد

زاهي وهبي: وطبعاً للسيّدة الرمز "فيروز" التي تُمثِّل بالنسبة لنا وطناً كاملاً، ولـ "ريما" و"زياد" طبعاً 

أُسامة الرحباني: أكيد، لا أحد يشِك لكن أيضاً هناك لحظات أنت تقول بأنّ هذه الأشياء لا تُعلَن هكذا، ويكون هناك كلام كيفما كان وليس على مُستوى 

زاهي وهبي: ممكن أن يحصل اللقاء؟ 

أُسامة الرحباني: لا أعلم، وأنت تعلم ماذا يقولون: "لا تدري ويأتيك أخبار وأخبار"، في النهاية هل أنت ستزيد على نفسك؟ نحن تعلّمنا منذ كنّا صغاراً كيف يكون الكلام والشائعات. خلص، نحن نمشي ونقوم بعملنا 

زاهي وهبي: أقصد هذا الكلام الذي يُقال والصحافة تصير تأخذ وتعطي فيه 

أُسامة الرحباني: لم نردّ ولم نهتم 

زاهي وهبي: ألا يُسيء هذا إلى مكانة "الأخوين رحباني"؟

أُسامة الرحباني: طبعاً أكيد 

زاهي وهبي: مع احترامي طبعاً لـ "ريما" ولرأي "ريما". رأيها بالنسبة لي مثل رأيك، يعني أنا على نفس المسافة. لكن أنا من الناس الذين يُحبّون أن توجِدوا لهذه القصة حلاً 

أُسامة الرحباني: طبعاً، كل هذا نحن نتمنّاه لكن هناك أشياء تتخطّى الخطوط الحُمر بكثير، يعني أصبحت المسألة ثخينة أو سمينة، لكن نحن ما زلنا هادئين، فقط ولا أكثر من هذا 

زاهي وهبي: كيف وجدت زيارة الرئيس الفرنسي "مانويل ماكرون" للسيّدة "فيروز"؟ 

أُسامة الرحباني: أولاً هذه زيارة رائِعة تُمثِّل ماهيّة "فيروز" وهي تكريس للوطن "الرحباني" إذا أردت، أنّ هذه هو (لبنان) فعلياً. كأنّ هذه الزيارة رسالة فَهِمَها السياسيون قليلاً، أنّه عليكم أن تفهموا أنّ الفِكر والثقافة والفنّ لهم علاقة بهؤلاء الأشخاص أكثر منكم أيضاً. لستم أنتم فقط مَن يقرّرون ويتحدّثون عن كميّة من الناس أو مناطق من العالم أو طوائِف معيّنة وأنتم تختزلون الوطن بكم وهناك غيركم من المُفكّرين والمُثقفين والناس الذين اشتغلوا وغنّوا (لبنان)، ومن كان أكثر منها؟ أحلى رمز موجود في العالم العربي حالياً. بالنسبة لي هذه كانت أحلى طريقة وإذا أردت أحلى طريقة للشعب وكل الذين يثورون ويقولون إنّ هكذا أشخاص لهم الثقل الكبير 

زاهي وهبي: أكيد التكريم مُستَحقّ، ومهما تكرّمت السيّدة "فيروز" يظلّ قليلاً 

أُسامة الرحباني: طبعاً 

زاهي وهبي: لكن أليس في هذه الزيارة جانب؟ أنّ "ماكرون" يُكرِّم نفسه أيضاً في أن يزور "فيروز" 

أُسامة الرحباني: لكي أكون واضحاً معك. المُقارَبة الفرنسية دائِماً مختلفة عن مُقارباتنا نحن، عندهم احتراماً كبيراً جداً، فقط لأُذكِّرك بجملة. خلال تأبين "شارل أزنافور" قال "ماكرون": "نحن بلد الكلمة". ما قاله رائع، إننا نريد أن نُذكِّركم أيها السادة والسيّدات أننا بلد كلمة، يعني بلد شُعراء. أنت تعلم من هناك، هناك "فولتير" و"روسّو" "ومنتسكيو" و"هوغو" 

زاهي وهبي: و(لبنان) من اللازم أن يكون هكذا  

أُسامة الرحباني: لا لا. أريد أن أقول لك شيئاً. أنا أقول إنّ "عاصي" و"منصور" و"سعيد عقل" و"جبران" أكبر بكثير من (لبنان)، بكثير 

زاهي وهبي: لم يأخذوا حقّهم 

أُسامة الرحباني: لم يهتمّوا في الحصول على حقّهم. "منصور" و"عاصي" كانا يقولان، " ليس عندنا شبر أرض"، وفعلاً لم يمتلكوا شبر أرض. "منصور" رحل وليس عنده شبر أرض في (لبنان) وكذلك "عاصي"، هؤلاء كانا الوحيدين

زاهي وهبي: "أُسامة"، هل تمثِّل لك "فيروز" القيمة التي تُمثّلها لنا؟ أعني تمثل لك مثلما تُمثل لأيّ مواطن لبناني؟ مثل أيّ إنسان؟ هل تراها في المكان الذي نراها فيه أنا وغيري؟ 

أُسامة الرحباني: طبعاً. أنت تتحدّث عن شيء مُترسِّخ في اللاوعي عندك، نشأت عليه ووعيت عليه. في البداية وعينا على هذه الموسيقى وهذا الشِعر وهذا المسرح وهذا الصوت، في المقابل كانت هناك المدرسة المصرية. كان عندنا حينها شوفينية هذا الصوت، شوفينيّة هذه الموسيقى وإننا ننتمي إلى هذه العائلة. والدي في النهاية أسّسها مع "عاصي". أعني لا يُمكن أن تحسّ إلا في هذه الطريقة. إذاً كنت تحسّ وكأنّ هناك مخيلتين 

زاهي وهبي: مدرستين 

أُسامة الرحباني: مدرستين في مقابل بعضهما، القوة الأساسية للمدرسة اللبنانية وللعرب لاحقاً بعد أن غزتهم وهي "المدرسة الرحبانية" وفي المقابل المدرسة المصرية 

زاهي وهبي: أكيد 

أُسامة الرحباني: التي كانت قبلاً بالأحرى 

زاهي وهبي: رغم أنّهما تأثّرا بـ "سيّد درويش" في مكان من الأماكن 

أُسامة الرحباني: طبعاً. الحضارة تواصلية "زاهي"، لا يُمكنك أن تلغي، عليك أن تتأثّر. أعني بداية "موزار" هي آخر "هايدن"، وبداية "بتهوفن" هي آخر "موزارت" والقصة تُكمِل. لا يمكنك أن تلغي

زاهي وهبي: الإبداع الإنساني مثل النهر، لا تستطيع أن تفصله 

أُسامة الرحباني: طبعاً. لاحقاً أنت تُقرّر إن كنت ستشتغل على رأيك أو تنقُض نظرية مُعيّنة. أوكي، ربما الفنون ليست كما الرياضيات أو كما نظرية حسابيّة تُلغى إذا فشِلَت. لا، هذه أشياء تبقى في الزمن وأنت تُضيف عليها. مَن يُضيف أكثر؟ لا أدري 

زاهي وهبي: قبل أن ننتقل إلى موضوعات أُخرى، كيف تُقيِّم حفل (باريس)؟

أُسامة الرحباني: رائِع  

زاهي وهبي: لحضرتك و"هبة طوَجي" و"إبراهيم معلوف" 

أُسامة الرحباني: طبعاً وأهمّ الفنانين العالميين حتى، طبعاً. هذا مجهود كبير جداً قام به (إبراهيم) وكان رائِعاً على مُستوى (الإليزيه) في "الأولمبيا"، وأهمّيته أنّه كان Live بأكمله، يعني أن تستطيع أن تجمع هذا الكمّ من الناس في ذاك اليوم وتكون على مُستوى عالٍ ومنقول مباشرةً كله. كانت فعلاً المُشاركة رائِعة وكل النصوص التي انتُقيَت كان لها بُعد اجتماعي، يعني تتحدّث عن الحريّة وعن المشاكل الاجتماعية وعن الحبّ للإنسان 

زاهي وهبي: لماذا أعدت توزيع أُغنية "حبيّتك بالصيف، حبّيتك بالشتي"؟ 

أُسامة الرحباني: أنا لم أعِد توزيعها. لكن انتبه، هناك أسلوب جديد رغبوا في تقديمه مثل صورة لـ "فيروز" فغنّوا هاتين الدقيقتين ونصف الدقيقة مع "ميولودي غاردو"، التي تُعتبر مثل "ديفا" في (أميركا) في الجاز، غنّوها على طريقتهم وأنا ساهمت معهم بالعزف. لكن في ما بعد، بعد أن تنتهي الدقيقتان ونصف الدقيقة، خلص، لا يعود للصولو والبيانو علاقة. هذا أحدث Boom كبيرة جداً على وسائِل التواصل الاجتماعي وجُنّ الناس بالصولو، فأحياناً تكون مُلهماً وأحياناً أُخرى لا تكون مُلهماً، حسب، ووراء هذه الأُغنية كان هناك مثل وصلة مع الطبول ومع صولو على المِجوِز يُذكِّر قليلاً بـ (لبنان). لكن النتيجة كانت مذهلة للناس، رائِعة 

زاهي وهبي: علاقتك بالبيانو كيف تصِفها كعازف؟ يعني أنا أعرِف قيمتك كمؤلِّف موسيقي، لكن كعازِف؟ 

أُسامة الرحباني: أعزِف كثيراً على البيانو وعندي علاقة خاصّة في الليل تختلف عن النهار. في الليل وخصوصاً صباحاً حوالى الساعة الرابعة أو الخامسة، نوعية الغرفة والسكوت والهدوء يشمل كل محيط بيتك وكل شيء. أنت تعرِف الدماغ، الأدمغة كلّها بالأحرى وذبذبات الدماغ والناس تصير في الليل أهدأ، ليس فقط الحركة بل كل الناس نائمين، فالصوت برِنّ إذا أردت في الغرفة ويعود لك ويُعطيك مساحات ويعطيك مسافات وفراغات وبُعداً مختلفاً ويداك تكونا حينها أنظف من وشوشات النهار، أعني تعزِف في طريقة مُختلفة تماماً وفي طريقة هادئة وخيال مُختلف تماماً 

زاهي وهبي: تحكي شعراً وهذا شيء حلو. دعنا نشاهِد مقتطفاً من أعمالك ثمّ نتوقّف مع استراحة سريعة ومن بعدها نعود إلى "بيت القصيد"

المحور الثاني 

أُسامة الرحباني: ... وتاليّات وكونتر باص وبيانو فقط، توزيع دافئ إذا أردت أعطيته أنا أصالة. قرّرنا وقدّمنا أُغنية "ضوّي يا قمر" لمؤلِّف سوري يعيش في (أميركا)، صديق إسمه "يزان الهاجري" وهو يدرُس التأليف الموسيقي، فأخذت موسيقاه وركّبنا عليها كلاماً مع "غدي، ثم أُغنية "يمكن رح يفلً" التي هي من شعر "مروان" و"غدي" والموسيقى لي من مسرحية "الإنقلاب"، غيّرت فيها قليلاً، وأُغنية "إذا رجعوا الحبايب" من شِعر الكبير "منصور الرحباني" من مسرحية "جبران والنبي" كنّا أعدنا توزيعها في عام 2017 في ألبوم "ثيرتي" لـ "هبة طوَجي" وأعدنا توزيعها على مُصغَّر أكثر 

زاهي وهبي: هل صرت تقتنع أكثر بالأُغنية المُنفرِدة إذا جاز التعبير ولو كانت ضمن عمل مسرحي، لكن أن تُقدَّم في شكلٍ منفرِد؟ 

أُسامة الرحباني: ربما العصر أحياناً يجبرك لأن الناس يريدون أن يُشاهدوا أيضاً ويريدون أن يسمعوا، بمعنى تُضيف إذا أردت، هناك إضافة لغاية التسويق للعمل وهذه مسألة حلوة كثيراً أيضاً لأنّ الناس يُسرّون عندما يرون أشياء معيّنة، فكيف إذا كان شخصاً مثل "هبة"، تتمتّع بكلّ الأشياء الكاملة، من الصوت إلى الكاريزما إلى الجمال والمظهر والذكاء 

زاهي وهبي: كيف تجد المكان الذي صارت فيه "هبة"؟ يعني تطوُّر "هبة طَوَجي" ربما بعد لقائنا المُشترك 

أُسامة الرحباني: "هبة" شخص استضفتُه ولم تُخطئ يا "زاهي" 

 زاهي وهبي: نعم، تتذكّر من أيمتى، ربما أكثر

أُسامة الرحباني: 2009 أو 2010

زاهي وهبي: أجل، نتحدّث عن إحدى عشرة سنة تقريباً 

أُسامة الرحباني: صحيح

زاهي وهبي: منذ ذاك الوقت إلى الآن كيف تجد مسيرة "هبة" التي هي جزء من مسيرتك على كل حال؟ 

أُسامة الرحباني: ما من شكّ أنّ المشروع طويل ونجح في شكلٍ رائِع، اخترق وترك أثراً كبيراً في العالم العربي، صار عندها شخصيّة وصارت كل المهرجانات تستدعيها وكل الناس يحاولون تقليد طريقة غنائها وشغلنا معاً لأننا متّفقين عليه. نجاح رائِع، صارت في العالميّة. أهم مسرحية فرنكوفونية وصلت إليها "هبة" وهي تدور فيها وتقدّمها منذ أربع سنوات. عندها الكثير من المشاريع في (فرنسا) وسيأتيها أكثر. الإخراج أيضاً يتطوّر معها في أفكار أُخرى، نُحضِّر أشياء كثيرة. وطبعاً على صعيد الصوت شيء رائِع هذا الإحساس وهذا النُضج الكبير. دعني أقول، نجاحات كبيرة جداً لشخص فريد جداً وهو منفرد منذ البداية، كصوت وكمقدِرة وكشخصية وثقافة والتزام واحتراف، وهذا من القليل أن نراه. لو تعرِف كم يحترمونها في (أوروبا) جرّاء احترافها، تعرِف مَن هي "هبة"

زاهي وهبي: نعم، كرَّست نفسها لفنِّها، أنا أحسّ أنّها كرّست نفسها 

أُسامة الرحباني: طبعاً

زاهي وهبي: ارتباطها وزواجها من الأُستاذ "إبراهيم معلوف"، الفنان المعروف، ممكن أن يؤثِّر على شراكتكما؟ 

أُسامة الرحباني: أبداً                         

زاهي وهبي: بمعنى مسؤوليّاتها الزوجية وربما حياتها قد تتغيّر ومكان إقامتها 

أُسامة الرحباني: "إبراهيم" ما شاء الله يشتغل كثيراً ولا يتوقف 

زاهي وهبي: نعم، "بلدوزر" 

أُسامة الرحباني: "بلدوزر" شغل، وهذا الذي فعله في "أونيبول دي ليبان". نحن شغلنا الشيء نفسه وهي شغلها الشيء نفسه 

زاهي وهبي: هذا النوع من الأُغنيات، اللحن أو الموسيقى ليس لحناً سهلاً ويُحفَظ بسهولة

أُسامة الرحباني: هناك أشياء بلى تُحفظ بسهولة، لكن أحياناً هناك شيء أقرب إلى الشارع إذا أردت وهو شعبي جداً لكن أنا لا يُمكنني أن أكون هكذا. ماذا أُضيف إذا كنت أفعل كما يفعل غيري من الناس؟ كل إنسان عنده هويّته 

زاهي وهبي: سؤالي هو كم تُطوِّع أحياناً موسيقاك التي هي موسيقى من المُفترض 

أُسامة الرحباني: طبعاً، إذا كانت أحيانا بهذا العلوّ نصلِ إلى مستوى أقل علّواً قليلاً وأُفكِّر أنّني من اللازم أن أُصغِّر قليلاً وإذا أردت أُسهِّل الأمور قليلاً أو أجد لها هيكلية خاصة، لكن أحياناً أعود إلى إعلاء الأشياء 

زاهي وهبي: مثلما قلت، تكون مرِناً مثلما قلت في الربورتاج، يكون المرء مرناً 

أُسامة الرحباني: طبعاً، وهذه نناقشها دائِماً لكن نبحث في كم نقوّي الـ Doze ثم نُخفّف، وهذا صار ملموساً كثيراً في الألبومات. لكن أيضاً لو لم نقم بتلك الطريقة لما كانت هناك تلك الشخصية القوية بحث صار الناس يتطلّعون إلى أنّ "هبة" تُغنّي، تلك الشخصية التي أثبتت صوتها والكثير من الناس صاروا يمشون على هذه الطريق 

زاهي وهبي: أين "أُسامة الرحباني" من دون "هبة طوَجي"؟ أو من دون "كارول سماحة"؟ أو من دون "غسّان صليبا"؟ 

أُسامة الرحباني: لا يُمكنك أن تقول هكذا، كلّهم إذا أردت رسمت صوتهم وشغلهم وإنتاجهم سواء "كارول" أو "لوريت حلو" وهي أيضاً صوت رائع، و"رودي" داغر" التي كانت بطلة و"يوسف الخال" في المسرح، (شيب) "غسان صليبا" وآخر شيء "هبة طوَجي" وغيرها الكثير من الناس 

زاهي وهبي: أقصد أين الموسيقى؟ الموسيقى التي تؤلِّفها والأعمال الموسيقية 

أُسامة الرحباني: هناك الكثير من الموسيقى، من الموسيقى التصويرية هناك الكثير ولا أحد يقوم بها إذا أردت مثلما أنا أقوم بها، تتحدّث عن ساعة وثلث الساعة من الموسيقى المُشبّكة ببعضها 

زاهي وهبي: لها جمهور؟ لها مُستمعين؟ 

أُسامة الرحباني: طبعاً، أنت تشاهد المُسلسلات، أحياناً في رمضان تُعرَض وتكون الموسيقى من تأليفي. الكثير من الناس يتابعون، عليك أن تعرِف كم النسبة التي تتابع الموسيقى، ليس الموسيقى التي أجلس فيها وأعزِف على البيانو للناس، لا، أنا أكتب موسيقى لها علاقة بالمشهد التصويري

زاهي وهبي: إنهم يتناولون العشاء أو يأكلون 

أُسامة الرحباني: أكيد. ثمّ هناك موسيقى كلاسيكية كبيرة جداً أنتَجتُها أيضاً في عام 2006 في (لندن) مع London Harmonic Orchestra في افتتاح المتحف الإسلامي بحضور الأمير "تشارلز" 

زاهي وهبي: حسناً، منذ عام 2010 تقريباً تتحدّث عن مسرحيّة "نفرتيتي" 

أُسامة الرحباني: صحيح

زاهي وهبي: مع "هبة" أيضاً من المُفترض

أُسامة الرحباني: طبعاً 

زاهي وهبي: أينها؟ منذ عام 2010 إلى الآن، نتحدّث عن عشر سنوات

أُسامة الرحباني: صدِّق أن المشروع كله جاهِز تقريباً، فقط علينا أن نهجِم على المشروع، وحتى كل الـ Designers وأنا مع "هبة" طوال الوقت في (فرنسا) أو في (لندن) أو في (أميركا)، أينما نكون كل تواصلنا لهذا المشروع لأنّ العمل أخذناه أيضاً من وجهة نظر مختلفة قليلاً، جديد جداً ويعني الناس كثيراً. أكيد المشكلة الآن هي جرّاء هذه الحال والوضع الإنتاجي 

زاهي وهبي: لكن المشروع قائِم وسيُبصِر النور 

أُسامة الرحباني: طبعاً، جرّاء غموض "نفرتيتي" كامرأة، وهل هناك شيء أجمل من الغموض عند المرأة؟ 

زاهي وهبي: بمُجرّد أن تقول "نفرتيتي" هذا يعني بطاقة عبور، أعني العنوان في حدّ ذاته يشدّ المرء كي يأتي ويرى كيف 

أُسامة الرحباني: طبعاً، أنت تعرِف جمالها، والتمثال الوحيد لها موجود في (برلين) لحدّ الآن والذي هرّبوه هم الألمان، "بورخارت" هرّبه إلى (ألمانيا)، لكن وجودها وهذا الغموض وكم كانت متحرّرة وكم دعمت زوجها وكم كانت حاكمة أيضاً في نفس الوقت. يعني قليلاً عن هذا الانفتاح للمرأة وتوسُّعها في أفكار وفي مُجتمعات كانت متطرِّفة كثيراً وكان يغلب فيها التطرّف

زاهي وهبي: حلو أن تقدِّم "هبة طوَجي" "نفرتيتي". ذاك اليوم قرأت أنهم في (هوليوود) يريدون أن يُقدّموا "كليوباترا" وانتقوا ممثلة إسرائيلية مشهورة "غات 

أُسامة الرحباني: "غات غادون" أو شيء مثل هذا، نسيت ما إسمها 

زاهي وهبي: كنت أقول: ألم يجدوا سوى ممثلة إسرائيلية لدور "كليوباترا"؟  تحسّ أن هناك نوعاً من "الزكزكة" المقصودة

أُسامة الرحباني: أنت تعرِف مَن هو المُسيطر على السينما في العالم، وهنا أنا أتأسّف كيف نحن مع هذا الكمّ من الأموال الموجودة والمقدِرة العربية، أنّ الدول العربية لم تهتم مُطلقاً في تغذية أفلام سينمائية في (هوليوود) أو في (أوروبا) لكي تُظهِر أيضاً الطاقات الموجودة في العالم العربي، وأكثر من هذا أن تضع أفكارها وتضع مواضيعها. نحن إلى متى سنظل نهاجم ونقول إنّهم يُهاجمون العرب، أنتم قوموا بشيء. بدل أن تتشكّى دع غيرك يتشكّى عليك 

زاهي وهبي: للأسف، على الرأسمال العربي أن يكون عنده هذا الاهتمام 

أُسامة الرحباني: من اللازم أن تكون عنده رؤية فكريّة وليس فقط رؤية لها علاقة بالهندسة فقط والمباني والزجاج ومشاريع وأحواض السباحة

زاهي وهبي: نعم، متّفقين على هذه النُقطة. قبل أن أُتابع طرح الأسئلة دعنا نسمع رأياً في تجربتك من الناقد الموسيقي المرموق الأُستاذ "عمّار مروّة" 

رأي – عمّار مروّة: في ثلاث دقائِق من الصعب أن نتحدّث عن "أُسامة الرحباني". هو فنان استثنائي في الحقل الموسيقي. هو مؤلِّف موسيقي يعمَل على الفِكرة. هناك أناسٌ يعتقدون أنّه ملحِّن، هو ليس ملحناً، هو مؤلِّف موسيقي يعمل ضمن أفكار موسيقيّة كبيرة تأتي غالباً ضمن مسرح غنائي. هو ورِث أشياء عن "الأخوين رحباني" لكنه أكمل مشروعه. إذا تنتبهون من وقت "جبران والنبي" اشتغل مع والده لكنّه أخذَ والده إلى أماكن أُخرى لم يكن فيها الأخوين. مثلاً اشتغل مع أخويه في "دون كيشوت" وأيضاً ذهب إلى أشياء تتعلّق بالاستعراضية، أي أماكن بعيدة. وحتى في الأغاني، خذوا مثلاً أغنية "بغنّي لك يا وطني"، هي أغنية أفكار، أُغنية ثورية تستأهل أن تكون ممثلة للحراك الشعبي إذا أردتم لقدر ما فيها البيان الحزبي نحو أفكار ضد الفساد والحرية والبيئة النظيفة إلى آخره. "أُسامة رحباني" صانِع نجوم مثل "هبة طَوَجي" و"غسان صليبا". "أُسامة الرحباني" يشتغل على الفِكرة ومن ضمنها التأليف وعمل الأوركسترا وعمل الدراما، حتى لو يأخذ أشياء خفيفة مثلاً ويوزِّعها مثل "هيدا اللي صار" أو "يا محلى نورها" نجد أن توزيعها رائع، لكن هو يشتغل ضمن الفِكرة، ضمن الأفكار الدرامية الكبيرة، ضمن المسرح الغنائي والتأليف الموسيقي للمسرح الغنائي. من أجل هذا يُظهِر أن هناك ثقلاً كبيراً في عمل الأوركسترا ليس لأنه قائد أوركسترا أو لأنه ملحِن، هو يشتغل ضمن أفكار كبيرة ومن الصعب أن نعطيه حقّه في ثلاث دقائِق. السؤال الذي أريد أن أسأله له هو: ما الذي من اللازم أن يحدُث كي لا نقسِّم "الأخوين رحباني"؟ "الأخوين رحباني" لم يعودا فكرة خاصة يرثها شخص أو آخر، "الأخوين رحباني" هما تُراث شعب، تُراث عربي، تُراث الشعب العربي، تُراث ربما العالم، تُراث المسرح الغنائي وكيف طوّرا المسرح الغنائي. فهذا سؤالي لـ "أُسامة"، حرام خلص، من اللازم أن يبقيا "الأخوين رحباني" كما كانا يريدان وشكراً 

زاهي وهبي: شكراً للأُستاذ "عمّار مروّة". السؤال وجيه جداً هنا، نحن لسنا نتحدّث عن خلاف على الإرث، هنا نتحدّث في أحيانٍ كثيرة عن كتّاب وصحافيين يتداولون في ما أيه أهم ومن ألّفَ هذه ومن ألّفَ تلك إلى آخره طالما "الأخوين رحباني" ارتضيا أن يوقعا وصارا كياناً معنوياً واحد إسمه "الأخوين رحباني"

أُسامة الرحباني: يا أخي، هذه الأشياء مثل شخص يحاول أن يتذاكى ويقدِّم اجتهادات. هل تتصوّر "عاصي" من دون "منصور" أو "منصور" من دون "عاصي"؟ كلاهما عباقرة في الشِعر وفي الموسيقى وفي شغل الأوركسترا والمسرح والصوت. هم أنشأوا هذه المدرسة التي تخصّهم، حتى في اللفظ وفي اللهجة واللغة التي استخدموها وفي كل شيء وأصابت عدواهم كل هؤلاء الناس، وأنت تعلم كم هناك شُعراء كبار جداً تأثّروا بهما أكثر من تأثّرهم بأشياء أُخرى كانت موجودة حولهم. هل تتصوّر أنّ شخصاً واحداً هو الذي كوّن هذا المُحيط من الشُغل أو القليل منه؟ لو كان شخصاً واحداً منهم لكان شغله استمرّ حتى عام 1964 وليس أكثر، من عام 1949 أو 1950 لغاية 1964، ولِما كان تخطى هذا العام لأنه من غير الممكن أن يكفي شغله لتغطية حجم الشغل. إذاً فلنترك هذا الأمر، ربما هم اتخذوا هذا القرار منذ عام 1949 في أن يوقّعا أعمالهما بإسميهما لكن لا أحد يعرِف السبب من غير أن يتذاكى أحد. لأننا نعرِف تماماً وكثيراً، نعرِف أنّ أحدهما أحياناً يكتب الشعر والموسيقى ويوزِع الأوركسترا وأحياناً العكس، أحياناً أحدهما يبدأ بقصيدة والآخر يُكمِلها، أحدهما يبدأ في اللحن والآخر يُغيِّره له، يكتب المسرحية أحدهما ثمّ يعاوِد الآخر كتابتها 

زاهي وهبي: خلص، صارا في الذاكرة وفي التاريخ

أُسامة الرحباني: فلنترك هذا الأمر. "الأخوين الرحباني" هما حال فريدة في العالم كلّه ولا أحد يرضى، أُعطي مثالاً دائِماً عن فريق "البيتلز" البريطاني، "جون لينون" و"بول مكارتني" يكتبان على إصداراتهما مَن هو الشاعر ومَن كتب الموسيقى ومَن يغنّي الأُغنية، لكنهما لم يريدا هذا ولم يريدا كتابة هذه الأشياء ولم يرغبا في حياتهما أن يكتبا هذه الاشياء. قوّتهما لأنهما كانا معاً ولم يتحمّل أحدهما الآخر مثلما هما تحمّلا بعضيهما، كانا قاسييين إلى درجة وكانا دائماً هكذا. إذاً فلنترك هذا الأمر

زاهي وهبي: وجاء صوت "فيروز" أيضاً ليكون إضافة رهيبة 

أُسامة الرحباني: أكيد، طبعاً. هي إذا أردت على رأس سهم المدرسة التي بنياها وحلّقا بها، وهما فعلاً اشتغلا كثيراً على صوت مخالِف تماماً للمدرسة المصريّة. في البدايات كان صوت "فيروز" يشبه نوعاً ما أشياء ترجِّح لها النجاح، لكن لاحقاً وفجأة نجحت لأن صوتها صُقِل في التمارين وكانت ذكيّة في استخدامه، وأيضاً هما حضرا برنامج، يعني عليك أن تفهم أنّه بمُجرّد أن تُغنّي مسافات متباعِدة جداً في الموسيقى هذا يصقل صوتك في شكلٍ مُختلِف. من أجل هذا تجد أنّ الذي يُغنّي الطرب يعاني من مشكلة في المسافات البعيدة والغناء بينهما لأنّ شعوره يكون دائِماً مرتكزاً على تثقيل وتليين القطعة، إنما عند "الأخوين الرحباني" هناك مدرسة مُختلفة وشاملة أكثر

زاهي وهبي: هذه القسوة التي تحدّثت عنها تظهَر أكثر في البرامج التلفزيونية التي تُشارِك فيها حضرتك مثل "ستار أكاديمي" و"ديو المشاهير" إلى آخره. حتى في برنامج "ديو المشاهير" الذي هو ترفيهي إلى حدٍّ ما والهدف منه هو عمل خيري كي يربح المتسابق جائزة مالية يقدِّمها إلى جمعية خيرية، أنت في هذا البرنامج نقدك دائماً جدّي

أُسامة الرحباني: أُخفّف لهم الـ Doze لأكون واضحاً، معك حقّ، لكنت أنت تُقدِّم مادة على التلفزيون، وإذا كلّنا كنّا نبتسم للناس من دون أن يكون هناك نقد ولو نوعاً ما، هذه المسألة تجعل من البرنامج خائباً. في المسرح هناك صراع، في التلفزيون هناك صراع، أنا أوافق وأنت لا توافق، أنت تقول أسود وأنا أقول أبيض إلى آخره. كل هذه الأشياء معاً.. استدعوها القطط هناك

زاهي وهبي: سمعِت رفاقها في الخارج وتريد أن تخرج من النافذة 

أُسامة الرحباني: نجتمع القطط معاً. إذاً أهمّ نُقطة هي أنّ عليك دائماً أن تفعل هذا لكي تُحدِث نوعاً إذا أردت من بركان في البرنامج ليحصل الشغل. لكن أعود وأقول لك، أنا لا أنتقد كثيراً سوى في القدر الذي أُريده في الشغل الأصلي مع "هبة" أو مع "كارول" أو مع "يوسف الخال" أو مع "نادر خوري" أو مع "غسان صليبا" أو مع "رفيق علي أحمد"، لا تستطيع، عملك وشغلك هو شيء وفي الحياة العادية تحاول قدر إمكانك أن تُخفِّض لهم الـ Doze قليلاً. لكن دائِماً، وهذا شيء حقيقي وفظيع، أنت لا تتعلّم سوى من الناس القاسيين معك

زاهي وهبي: هل ورِثت هذا الشيء من "منصور"؟ قلت أنت أنه كان أكثر من ينتقدكم أنت و"غدي" و"مروان"  

أُسامة الرحباني: طبعاً، وما من شك أنّ "عاصي" كان سليط اللسان جداً على الجميع، من الكبير إلى الصغير، لا يوجد "مرحباً" معه بصراحة. حتى معنا عندما كانوا يتجالسون، أنا أمضيت الكثير من الجلسات معهم في عُمرٍ معيّن وصرنا نعرِف، كنّا نجلس إلى البيانو نتحدث ونسمع أفكارهم وما يحكون وكيف يشتغلون، قاسيين جداً ولا يعطوك سُكّر، لا يعطوك سُكّر لو مهما فعلت، فقط يقولون لك "برفو، جيد" وهي كلمة تشجيعيّة يعطونها لأي أحد

زاهي وهبي: لو كان عندك فرصة إخبار "منصور" شيئا 

أُسامة الرحباني: كلّ يوم أشتمه ألف مرّة 

زاهي وهبي: كلّ يوم، ليته موجود. لأنّه حمّلَكَ حملاً ثقيلاً؟ 

أُسامة الرحباني: غير ذلك، أشتاق لشِعره وأشتاق للشغل معه وأشتاق للسرعة والفهم. كنت أضع أفكاراً وأكتبها بالكامل 

زاهي وهبي: ما زلت تعيش في نفس البيت الذي كنتم تعيشون فيه معاً 

أُسامة الرحباني: أجل طبعاً، وطبعاً وغرفته بقيت كما هي ورائحته ما زالت موجودة 

زاهي وهبي: بقيَت كرسيه ومكتبه 

أُسامة الرحباني: طبعاً 

زاهي وهبي: ولوحدك تعيش في البيت؟ 

أُسامة الرحباني: أجل 

زاهي وهبي: هل تنوي أن تظلّ لوحدك؟ 

أُسامة الرحباني: مثلما هو كان يقول بالضبط

زاهي وهبي: ألان أقول لك ما كان "منصور" يقوله لك

أُسامة الرحباني: صحيح، أنت تتحدّث عن أهمّ رجل موجود إلى جانبك فكرياً وعنده هذا التواضع، تسأله عن أمر ويُجيبك في ثلاث كلمات تظل تحلّل فيها لأسبوع. أعني، مستوى مختلف وتفكير مختلف وعالم مختلف إلى هذا الحد وعنده شموليّة في التفكير، هو كان مُفكِّر آل "الرحباني" إذا أردت فعلياً، الثقل الذي كان عنده. في أي شيء تسأله تجد عنده بُعداً ثقافياً عميقاً جداً وتحليلياً. حين كنا نتجالس ونتحدّث عن المواضيع كان كلّ منا يتطوّر والأهم أننا كنّا نتناقش ونتقاتل كثيراً على الأفكار، وهذه مسألة تُفيد كثيراً 

زاهي وهبي: أبرز ما تعلّمته منه أو ورثته وليس شيئاً مادياً، شيئاً معنوياً 

أُسامة الرحباني: طبعاً أكيد. الشغل واستمراريّة الشغل كل يوم لأنّ هذا ما يوصلك إلى صقل الأشياء أكثر، لكن دائِماً بالنسبة له، أهم شيء أن تظلّ تتعلّم، تظلّ ترتقي وتتحسّن لأنه لا يُمكنك أن تشبع من الأشياء. يعتقد الناس أنّ "عاصي" و"منصور" أعطاهما ربنا العبقريّة، لا، غير صحيح بل لأنّهما تطوّرا وقرآ كثيراً واشتغلا على نفسيهما وأيضا راقبا لكي يتعلّما. يمكننا أن نقول الكثير عن طريقة تطوّرهما، لكن هنا أهمية معرِفة كيف تضيف على الأشياء وتنتجها في طريقة مُختلفة 

زاهي وهبي: أعمال "منصور" طُبِعَت لحُسن الحظّ، الأعمال الشعريّة المكتوبة، وفي حياته

أُسامة الرحباني: صحيح 

زاهي وهبي: المسرحيّات التي قدّمتموها 

أُسامة الرحباني: موجودة وطُبِعَت 

زاهي وهبي: مصوّرة كانت؟ 

أُسامة الرحباني: طبعاً 

زاهي وهبي: كلّها مُصوّرة 

أُسامة الرحباني: نشتغل عليها، كل مسرحياتي انتهينا من حفظها ولا تزال هناك مسرحيتي أنا و"مروان" و"غدي" "دون كيشوت" التي انتهينا من حِفظها من حوالى سيع أو ثماني سنوات ولكن للأسف لم تُعرَض على المحطة بعد، وكل مسرحيات "منصور" نعاود تكملتها مثل "زنّوبيا" و "حكم الرعيان" و"ملوك الطوائِف" الجديدة نسخة "هبة" و"بسام" الرائعة التي عُرِضت في "تنّورين" وستصدُر قريباً، ومسرحيتي مع "منصور" "عودة الفينيق" أيضاً، وإعادة لـ "صيف 840" مع "مروان" و"غدي" 

زاهي وهبي: إذا تتذكّر، مسرحية "صيف 840" كانت تحيّة لـ "عاصي" 

أُسامة الرحباني: صحّ 

زاهي وهبي: هل ممكن أن تقوموا بعمل يكون تحيّة لـ منصور" أنت و"غدي" و"مروان"؟

أُسامة الرحباني: نحن قدّمنا "صيف 840" تحيّة لـ "منصور"، وكنّا نُفكِّر في إعادة تقديمها وكنّا حائرين بين أن نقدِّم "دون كيشوت" أو نعاود تقديم "صيف 840". نحن طوال حياتنا في عملنا أنا آخُذ من شِعر والدي وأُلحِّنه و"هبة" تُغنّي، والآن هناك قصيدتان جديدتان حلوتان جداً 

زاهي وهبي: أيّة قصيدتين؟

أُسامة الرحباني: "راجعٌ من رماده الفينيقُ" وفي الآخر يقول: "وطني لو نويتُ هجرك يوماً عفواً أرجعَتني إليك الطريقُ، ها هنا نحن لن نزول َ فنحنُ البحر والصخرُ والزمانُ العتيق"، وهذه كانت في افتتاح القدّاس الماروني، قصيدة طويلة رائِعة جداً ونحن سنقدّمها في شكلٍ جديد جداً، وهناك أُغنية ثانية كانت ضائِعة منذ 23 سنة ووجدها "غدي" وكان قد كتبها لي وضاعت فوجدها "غدي" ولحّنّاها. أدّتها في شكلٍ، ماذا أقول لك، كل هذه الأحاسيس والغناء الذي من الصعب أن يقدّمه أحد 

زاهي وهبي: أيمتى سنسمعها 

أُسامة الرحباني: في سي دي، اليوم لتوّي سجّلت أُغنية، أيضاً للحظة فيها من الألم  وفيها إحساس قدّمته "هبة" وكان رائعاً 

زاهي وهبي: بدأنا حديثنا عن (لبنان)، ولا يمكننا أن نتحاور من دون أن أسألك عن انفجار المرفأ وعن الدمار الذي أصاب (بيروت). كيف عِشت هذه اللحظات؟ أين كنت؟ 

أُسامة الرحباني: مثل كلّ اللبنانيين. كان عندي اجتماع في ABC (ضبيّه) وتركت وبعد ساعة بالتمام صار الانفجار. كنت في البيت وأحسسنا بما يُشبه الهزّة، ولحُسن الحظّ كلّ الزجاج كان مفتوحاً في كلّ البيت لأن الطقس كان حاراً في فترة بعض الظهر 

زاهي وهبي: ولم يُحدِث الضغط الذي 

أُسامة الرحباني: بلى حدث ما يشبه الهزّة 

زاهي وهبي: أقصد، لأن الزجاج كلّه مفتوح لم يتهشّم 

أُسامة الرحباني: أجل لكنه هزّة وبعد سبع ثوانٍ من الهزّة سمعنا فوراً الانفجار وكان انفجاراً كارثياً. كل شخص ظنّ أن بيته قُصِف أو صار شيء إلى جانب بيته. ما يُزعِل أنّ هذا هو الفساد وهذا هو إذا أردت الذي يوصلك إلى هنا، هذه نهاية منظومة. عندما قلنا إنّه من اللازم أن نُغيِّر النظام كان هذا الذي نتحدّث عنه 

زاهي وهبي: وما زلنا نقول إنّه من اللازم أن نُغيِّر النظام 

أُسامة الرحباني: لا يزال الناس يفهون النظام على أنه النظام الجمهوري، لا، لا نظام جمهوري أو برلماني أو ملكي 

زاهي وهبي: طريقة إدارة البلد

أُسامة الرحباني: المنظومة الإدارية غلط. رُكِّب (لبنان) تركيباً على نمط أكبر من النظام. أريد أن أسألك، لماذا كلّهم مُكبّلين مع بعضهم، رئيس الجمهورية ورئيس وزراء ورئيس مجلس وهذا لا يقدر وهذا موظف لهذا إلى آخره، لأنّ هذه المنظومة هكذا رُكِّبت. وسُخرية القدر أنّه مع سنة 1920 وإعلان (لبنان) الكبير ونحن على بُعد شهر من إعلان مئوية (لبنان) الكبير، وأنت تعلم لماذا أُعطيَ (لبنان) الكبير، بسبب الأكل والقمح وبعد أن راح ثلث الشعب اللبناني في مجاعة 1914. إذاً أعطوهم مدى (لبنان) الحيوي أي (البقاع) و(عكّار) طبعاً مع لاحقاً (البقاع) الغربي وثمّ عندك الجنوب أيضاً، وكان (لبنان) الكبير أكبر لكنّهم قضموا منه في مفاوضات الإخوة 

زاهي وهبي: على كل حال لا يمكننا سوى أن نترحّم على 

أُسامة الرحباني: لكن هنا في إمكاني أن أقول لك... عن هذه الشغلة، أين؟ في مرفأ (بيروت) ولا أدري كيف لاحقاً في لحظة فتحت مرافئ فوراً 

زاهي وهبي: نعم، نقول طبعاً مُرتبطة ببعضها الأشياء، طبعاً مرتبطة ببعضها 

أُسامة الرحباني: أكيد 

زاهي وهبي: وأنت تتحدّث عن مرفأ (حيفا) وشركائه، يعني لا يُمكننا أن نقول سوى هذا. نترحّم على الشُهداء ونتمنّى أن يُحاسَب المسؤولون عن هذه المجزرة 

أُسامة الرحباني: لا أحد سيُحاسب اللبنانيين في هكذا شيء مؤسف، وما يزعِلك هو أنّ عصب (بيروت) ضُرِب. يعني تتحدّث عن (الجميّزة) وتراثها وكل منطقة (مينا الحُصن) و(المدوّر) و(الصيفي) و(الجميّزة) و(مار مخايِل) والمستشفيات، يعني انتتفت. في الزمانات في الحرب الأهلية كنت تحتمي في مكان وتذهب إلى شقة 

زاهي وهبي: لكن هنا في ثوان 

أُسامة الرحباني: انتتفت 

زاهي وهبي: نتيجة حرب سنتين أو ثلاث. الوقت داهمنا، أتمنّى لك كلّ الصحّة والخير

أُسامة الرحباني: أطال الله في عُمرك 

زاهي وهبي: وكل النجاح دائِماً

أُسامة الرحباني: ألله يخلّيك 

زاهي وهبي: نوّرت "بيت القصيد" 

أُسامة الرحباني: مرسي 

زاهي وهبي: أهلاً وسهلاً. شكراً لفريق العمل، والشكر الأكبر دائِماً لمُشاهدينا في كل أنحاء العالم. نلتقيكم الأُسبوع المقبل على خير بإذن الله