فرج سليمان ومجد كيال

 

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. ليس سهلاً أن تكون فلسطينياً في هذا الزمن الأرعن، فكيف الحال إذا كنت فلسطينياً تحت الاحتلال تريد التعبير عن نفسك ومكنوناتك ويوميّاتك وأوجاع شعبك؟ وكيف إذا كان سلاحك الكلمة والنَغَم في مواجهة أكثر آلات العنصريّة والقتل وحشيّةً في العالم؟ ضيفانا شابان مُبدِعان من (فلسطين) اختارا الشِعرَ والموسيقى والغناء ليقولا للعالمِ ما في جعبتهما وليُطلِقا ما في الصدرِ من أحلامٍ وآمالٍ ولكن في طريقةٍ مُغايرةٍ ومختلفة عمّا هو شائِعٌ ومألوف بحيث يصيرُ اليوميّ والعاديّ معهما فنّاً يُخاطب الشباب بلغة عصرِهم وزمانهم. "بيتُ القصيد"، بيتُ المُبدعين العرب يُسعَدُ بمُحاورة المُبدِعين الفلسطينيين "فرج سليمان" و"مجد كيّال"، أهلاً وسهلاً بكما في "بيت القصيد" على أمل اللقاء ذات يوم في (بيروت)

فرج سليمان: مساء الخير، أهلاً 

مجد كيّال: مساء الخير

زاهي وهبي: مساء النور. بدايةً أُريد أن أسأل "فرج"، لماذا أحلى من (برلين) بالذات؟ لماذا "(حيفا) أحلى من (برلين)"؟ ما سرّ هذا العِشق لـ (حيفا)؟

فرج سليمان: سرّ العِشق أنا لا أعرِفه! لغاية اليوم أُفكِّر في هذا الموضوع طوال الوقت. نحن في هذا الألبوم  ندّعي أنّ (حيفا) أحلى من أيّ مكان آخر في العالم وليس فقط من (برلين) لأنني أعتقد أنّ (برلين) هي الواجهة الأولى لوجهة الشباب الذين يريدون أن يُهاجروا وأن يتركوا البلد، الذين يريدون أن يذهبوا ويجرّبون أنفسهم في الخارِج كون (برلين) مدينة صاخبة، مدينة شبابيّة، مدينة ثقافيّة فنيّة غير مُكلِفة، أعتقد أنّ (برلين) هي الفكرة الأولى التي تبدر إلى ذهن أي أحد يسافر في الداخل بالأساس، فنحن في هذا الموضوع نقول إنّ (حيفا) أحلى من (برلين) لكن أيضاً نقول إنّ (حيفا) أحلى من أيّ مكان آخر في العالم 

زاهي وهبي: نحن نراها في الصُوَر ونقول أحلى من (برلين)، "مجد" أيضاً تُشارِك "فرَج" هذا الانطباع؟ 

مجد كيّال: أنا أظن أنّها أحلى من أيّ مكان آخر لكن أيّ مكان آخر ممكن أن يكون أيضاً أحلى من (برلين)، بمعنى أن المسألة ليست فقط (حيفا) أيضاً. المسألة هي أيّ مكان مُهمّش يشعُر فيه الإنسان بطفولته وذكرياته وقصّته وعلاقته مع أهله وناسه وبيئته بحيث يجب أن يشعُر فيه أو يحاول أن يبحث فيه عن معنى لا نجده أو نهجره أحياناً لأجل المُدن الكُبرى، لأجل المُدن الكوزموبوليتان التي يريد كل الكون أن يكون فيها ويُنتِج فيها. نحن نُحاول أن نتمسّك في أصالة المكان الذي نشأنا فيه، الذي ترعرعنا فيه ونشأت فيه ذاكرتنا وعلاقاتنا وحبّنا الأول وعلاقاتنا الاجتماعية الأولى وأن نُعطيه قيمة في عالمٍ يُهمِّش هذه الأماكن ويُحوِّلها إلى أماكن من دون معنى ومن دون قيمة. نحاول في الأساس أن نتمسّك بهذه الأماكن رغم المُدن الكُبرى ورغم المُدن الرأسماليّة الكُبرى التي تُحاول أن تستقطب الشباب من أوطاننا وتُفرِّغ أوطاننا من كل طاقاتها الجميلة 

زاهي وهبي: رغم بريق تلك المدن. "فرج" ليس ألبومكما الأول "أحلى من (برلين)" وهو فعلاً مختلف وجميل جداً، يضيء ويذهب إلى أماكن جديدة إلى حدٍّ ما وغير مألوفة في الغناء العربي إلا عند تجارب قليلة ممكن أن نتحدّث عنها لاحقاً. أولاً ما الذي يجمعكما؟ وهذا ليس أوّل تعاون بين حضرتك و"مجد"، ما هي القواسم المُشتركة بينكما بخلاف أنّ كلاكما من (فلسطين) وكلاكما تعشقان (حيفا) إلى آخره     

فرج سليمان: "مجد" صديق، "مجد" صديق العُمر. "مجد" صديقي من زمان منذ أن التقينا في جامعة (القدس) وبعدها جئنا إلى (حيفا). "مجد" يقطن في (حيفا) وأنا قطنت أغلب وقتي في (حيفا). أنا و"مجد" أصدقاء ونحن نُفكِّر في شكل مُتطابق ونرى كل ما حولنا تقريباً ونفكِّر في معظم المواضيع تقريباً في شكلٍ مُتطابق، وكانت لنا تجربة أولى في عمل للأطفال من إنتاج "ماسي تامر" من (رام الله)

زاهي وهبي: "قلبي غابة"

فرج سليمان: صحيح، "قلبي غابة" غناء "رنيم حنّا"، ونحن كبداية بدأنا نشتغل معاً وفهمنا أنّ هناك شيئاً خاصاً في التعاون والصلة بين العمل الموسيقي الذي أؤلّفه وبين كتابته وفي إمكاننا أن نخلق شيئاً خاصاً قليلاً، مميّز قليلاً حسب رأيي. "مجد" أيضاً كتب أُغنية كانت في ألبومي من غنائي الأول الذي كان قبل هذا الألبوم وإسمه "البيت الثاني"، ومن ثمّ بدأنا نلمس شيئاً مختلفاً قليلاً عن باقي النصوص وعن باقي الأُغاني 

زاهي وهبي: ما هو المُختلِف في رأيك عند "مجد"، في نصوص "مجد" المكتوبة للغناء، ما المختلف فيها؟ 

فرج سليمان: أنا أعتقد أنّ هناك شيئاً فيها يشبه الموسيقى التي أؤلفها، فيها جُمَل قصيرة جداً مُعبِّرة وعميقة لكنها أيضاً سهلة السماع وسهلة الحفظ، تحسّ من الوهلة الأولى رغم كونها جملة بسيطة ولكن في تركيبتها يمكن لـ "مجد أن يخلِق صوَراً خاصّة جداً، مختلفة كثيراً عن غيره دعني أقول، وهو يشتغل في شكل حلو جداً مع موسيقايَ وفي طريقة تعاملي مع هذه النصوص 

زاهي وهبي: نعم، الكيمياء دائِماً والتناغُم هما بين طرفيّ أيّ عمل. "مجد"، كيف تجد موسيقى وتجربة "فرَج"، وكم تتشاركان الرؤى ليس فقط الإنسانية ربما والوطنيّة إنّما الرؤى الجماليّة والفنيّة أيضاً؟         

مجد كيّال: نحن أيضاً نتشابك لكنها رؤى صُقِلت في شكلٍ مُشترك بمعنى أننا نعرِف بعضنا منذ وقتٍ طويل ومن مراحِل مُبكِّرة أيضاً في تفكيرنا وفي تكوين كيفية تفكيرنا ورؤيتنا للفنّ والإبداع في العموم. أنا رافقت "فرج" في تنظيم أوّل عرض موسيقي له، فهذه الرؤية التي تكوَّنت في شكلٍ مُشترك وفي حوار متواصل أُثير فيها العديد من القواسم المُشتركة التي يمكنك الإشارة إليها في العلاقة مع الزخم والكثافة التي نبحث عنهما دائِماً في العمل الفنّي. في أنّ العمل الفنّي مهما قَصُر أو مهما قَصُرَت الجملة سواء موسيقياً أو أدبياً تكون كثيفة مُحمَّلة بأبعاد مُختلفة وفي أعماق مُختلفة ودائِماً قادرة على الإفادة في إنتاج معانٍ جديدة، طبعاً هذه محاولة ولا ندّعي نجاحنا بالضرورة. ولكن هذا الهاجِس المُشترك فيه خلافات، نحن نرى أشياء أحياناً سيّئة وأحيانا نرى أشياء جميلة ولكن في العموم لدينا رؤية إنسانيّة مُشتركة تُحرِّك نفس الدوافِع ونفس الهواجِس في البحث عن العمل الفنّي 

زاهي وهبي: جميل، قبل أن أسأل عن التفاصيل اليومية التي تحوّلانِها إلى شعر وغناء، دعونا نذهب إليكما، إلى (حيفا) برفقة كاميرا "بيت القصيد" وزميلتنا العزيزة المشكورة "هناء محاميد" ونستمع إليكما في "قطع وصل" ثمّ نعود إلى طرح الأسئِلة 

قطع وصل - فرج سليمان ومجد كيّال:  

فرج سليمان: لماذا أنتجنا "أحلى من (برلين)؟ "أحلى من (برلين) جمع نفسه صُدفة. "مجد كيّال" كتب عدداً من الأغاني التي كنت أُلحِّنها وأضعها في الدُرج لأنني كنت أشتغِل على مشاريع أُخرى وفي لحظة هذه المشاريع أُلغيت أو تأجّلت بسبب "كورونا" وفي النتيجة صار "أحلى من (برلين) " في الواجهة عندنا، فالألبوم صدفة ولم يكن عندنا قرار لأن نُقدِّم مواداً لـ (حيفا) أو ألبوماً وعملاً كاملاً يتحدّث عن (حيفا)

مجد كيّال: كتابة الأغاني ليست هي الشيء الأساسي الذي أقوم به أو الذي أُريد أن أقوم به ولكن لمُجرّد أنّ "فرج" صديق وأُحب شغله وعندنا نفس الهواجس والاهتمامات الفنيّة والإبداعيّة وأيضاً الاجتماعيّة والسياسية في رأيي، وجدنا أنفسنا نُنتِج هذا العمل ببساطةٍ شديدة    

فرج سليمان: أيضاً نحكي في الأساس مع الشباب الذي يريد أن يُهاجِر ويريد أن يُسافِر، الذي يريد أن يترُك البلد لأجل الظروف، لأجل الاحتلال، لأجل أمورٍ أُخرى كثيرة هنا. أنه مع كل الذي يحدث لا تزال بلادنا أحلى من أيّة مدينة أُخرى، (برلين) (باريس) (لندن) أي مكان آخر وليس (برلين) بالأخصّ

مجد كيّال: لا توجد رسالة في مفهوم رسالة بل في مفهوم أنّ ثمّة مقولة نريد أن نرفع شعارها. الكتابة هي أولاً وأخيراً عمليّة بحث، بحث الذات، بحث لظروفٍ موجودةٍ حولك، محاولة لأنّ تُعيد صوغ الواقع الموجود في أساليب وطُرُق مُختلفة تساعدك على فَهْمِه وتُساعدك على التفكير به في طُرُقٍ مُختلفةٍ، تُعيد تقديمه وتُعيد بناءه كل مرة من جديد أحياناً في شكلٍ تجريبي وأحياناً في شكلٍ مُباشِر. طبعاً هناك اهتمامات سياسيّة واجتماعيّة تولَد على الطريق ولكن الأساس في رأيي هو هذا المسار البحثي الإنساني الذي نمرّ به في العمليّة الإبداعيّة 

فرج سليمان: أن أصير مُغنياً! هذه ولا مرّة خطرت على بالي. في كل مرحلة تدريب في البداية وتفكيري في معنى موسيقي وما معنى Career كموسيقي، هذا ما لم يخطر على بالي وكل ما حدث بدأ صدفة في أنني غنّيت أُغنية "السجعِ". لكن مع الموسيقى أسمع لكثيرين، ليس عندي أحد إسمه في شكل واضح لأقوله لكني أسمع الكثير من الموسيقى المشكلة من عالم الجاز، من عالم الكلاسيك، موسيقى عربيّة، وأحسّ أنني أُتابع شخصياً تجارِب موسيقيين وكيف أحسنوا ربط موسيقاهم مع الناس، مع البلد، مع الحياة، ومع ظروفهم

مجد كيّال: أنا لا أؤمن بأن الفنّ يُمكن أن يُغيِِّر الواقع، يمكن أن يكون عند الفنّ مُساهمة في التخطيط، في التوعية، في فتح آفاق الأسئِلة، في فتح مجالات للفكر المُتحرّر والمُتنوِّر، هذا طبيعي. لكن الفنّ في نفس الوقت ممكن أن تكون له وظيفة وهي وظيفة في خدمة أنظمة قمعيّة، في خدمة أنظمة استبداديّة، وهذا الفن ممكن أن يسلك في الجهتين لكن الذي يُغيّر الواقع فعلياً هو نضال الناس لأجل الحريّة، هو نضال الناس ضدّ القمع وضدّ الطغيان 

زاهي وهبي: تحيّة من خلالكما لـ (حيفا) وأهل (حيفا) وكل (فلسطين). "مجد"، كتابة اليومي في الشعر موجودة. شعراء كُثُر اقتربوا من اليومي ورفعوه أو حاولوا رفعه إلى مصاف الشِعر. تجربة جميلة هذه التفاصيل التي حضرتك كتبتها وهذه الزوايا التي ترى منها الأشياء، ولكن هناك دائماً خشية عند البعض من أنّ اليومي يفقد ربما جماليات الشعر وما يحتاجه الشِعر من مجاز وتشبيه وبلاغة وإلى آخره. تعليقك

مجد كيّال: طبعاً. أولاً وقبل كل شيء أنا لا أدّعي أنني شاعِر في شكلٍ من الأشكال، أنا 

زاهي وهبي: روائي، أعرف أنّ حضرتك كاتب وروائي وإن شاء الله يكون لنا لاحقاً حوار حول تجربتك من الجانب الآخر

مجد كيّال: إن شاء الله. أنا تجربتي في الأساس في الرواية وفي السرد ولكن في العموم أعتقد أنّه لا توجد مساحة حياتيّة تكون اللغة موجودة فيها يمكن أن تُشكِّل أرضيّة خصبة للخيال وللبناء التصويري القادر على لمس نُقطة مُعيّنة في قلب الإنسان وفي ذهنيّة الإنسان لكي يتحوّل أو لكي يستحق أن يُسمَّى شعراً. بالتالي، أظن أنّ المسألة هي في كيفية الالتقاط وفي قُدرة الكاتب أو المؤلِّف على التقاط هذه اللحظات وفي الرقص على حبلٍ دقيقٍ ما بين الكليشيه وما بين النسيان التام أو التجاهُل التام لما هو يومي وما هو طبيعي وما هو بديهي في حياتنا اليومية 

زاهي وهبي: "فرج"، لزمنٍ طويلٍ سادت صورة نمطيّة للإنسان الفلسطيني، بمعنى هو إمّا البطل الأُسطوري أو الضحيّة، وغاب الإنسان الفلسطيني في يومياته العادية التي تشبه يوميات أيّ إنسان في أيّ بلد سواء تحت الاحتلال أو غير الاحتلال من قصص الحبّ والهِجرة والشوق والفُقدان إلى آخره. كم في هذا العمل "أحلى من (برلين)" هناك كَسْر للصورة النمطية التي ترسَّخت في أذهان أجيال ربما من المُتلقّين؟             

فرج سليمان: صحيح. أعتقد أنّ هذا أتشارك فيه مع كل الموسيقيين أو مُعظم الموسيقيين الذين يشتغلون اليومي، مع الموسيقيين الفلسطينيين. نخن نخرج من مرحلة "نحن ضحية" وكل فكرة الحروب والنكبة والاحتلال ونبدأ نُخرِج ما نعيشه ومعنى كل يوم بيوم. طبعاً لن نتجاهل ولا يُمكننا أن تلغي الاحتلال، هو موجود في موسيقانا، هو موجود في شِعرنا، هو موجود في نصوصنا، لكننا نُحاول أن نصل إلى إيصال الصورة في شكلٍ مختلف قليلاً، من أننا لسنا ضحايا وهذا بلدنا مثل أيّ أحد وعندنا قصصنا كما أيّ شعب آخر في العالم ومن اللازم أن نتحدّث عنها وأن نُظهِرها في فننا وفي أدبنا وفي ثقافتنا 

زاهي وهبي: كيف تعاملت موسيقياً مع نصوص "مجد" التي فيها هذا الكمّ من التفاصيل القريبة أحياناً من الخبريّة، مثلما أحدهم يخبرك خبريّة ويحكي لك قصة قصيرة، حكاية سريعة. كم هذا الشيء يكون أصعب للموسيقي أو ربما أسهل، لا أدري 

فرج سليمان: هو أكيد أصعب. "مجد" يكتب والكثير من النصوص عنده غير تقليدية من ناحية المبنى، من ناحية القافية ومن ناحية الوزن، وهذا كان فيه الكثير من التحدّي لي في أن أنتِج من هذه النصوص أُغنية بسيطة، مع أن الكلام بسيط لكن المبنى والنصوص التي كان يُقدِّمها لي "مجد" غير تقليدية. أنا أظنّ أنّ هناك مسألتين مُهمّتين هنا، الأولى أنني توجّهت كثيراً إلى النصوص من زاوية الموسيقى التصويرية وكأننا نؤدّي هذه الأغنية على مسرح كباريه أو على Musical أو ليس من مكان تلحين أُغنية عربية عادية، فأتخيّل أنّ التعامُل مع هذه النصوص يكون بخفيّة. المسألة الثانية هي الأداء، أتوقّع أنّك إن أعطيت هذه النصوص لمُغنٍّ، طبعاً أنا لا أعرِف في هذه الحال مغنّياً، إذا أعطيتها لأحد عنده صوت ويغنّي هذه النصوص تفقِد قليلاً من قيمتها حسب رأيي. فهناك شيء جمع بين التوجّه العائِد للموسيقى التصويرية مع الأداء الطبيعي دعنا نقول في تأديتي للأغاني، من هنا أدخل على نصوص "مجد" 

زاهي وهبي: نعم. سأتحدّث بعد قليل عن الأداء لكن دعني أتحدّث مع "مجد" عن مسألة. كنّا نتحدّث قبل قليل عن النصوص والتفاصيل اليومية، لاحظت أنّ في مرثيّة لك لشهيد، الأغنية هذه بالذات وهذا النصّ بالذات، لاحظت أنّ منسوب الشاعريّة فيه أعلى من بقيّة النصوص. لا أدري إذا انطباعي في محلّه. ما السبب، وهل لكونها مرثيّة لشهيد فرَضَ هذا الموضوع نفسه في شاعريّة أكثر، في وجدان، أية مقاربة وجدانية أكثر للموضوع؟

مجد كيّال: أظن أنّه فرضَ نفسه عاطفياً، أعني عاطفياً عليَّ، في أن أصل إلى هذه النُقطة. وجود هذه الأغنية في ألبوم مليء بالسُخرية أحياناً، بالنكات اليومية، وموقعها تحديداً في ترتيب الأغاني ونحن نتعامل مع الألبوم كوِحدة دراميّة، موقعها موجود في مكان فيه هذا الإنسان الذي يعيش على مدار الألبوم التجارب الحياتية والسياسيّة والاجتماعية حوله، يصل في نُقطة مُعيّنة إلى أعمق نُقطة في مكنونه الإنساني الفلسطيني حيث يواجه صورة الناس أو رمزيّة الناس الذين ماتوا من أجل هذه الحياة الصاخبة الساخِرة المُخيفة المُرعبة التي يعيش فيها. فهناك نوع من خشوعٍ تامٍ في تلك اللحظة التي كأنّها لحظة الذروة في مُلامَسة مكنون هذا الإنسان وعاطفة هذا الإنسان الذي نُحاول أن نرسم صورته، وبالتالي نعم، بطبيعة الحال النصّ نشأ كنصٍّ فيه مستويات أعلى من الشِاعرية 

زاهي وهبي: أذاً، لا نريد أن نترك الروائي يُفسِّر لنا الشاعر الذي في داخلك مستقبلاً، ويظلّ الشاعر حاضراً. "مجد"، تقول في حوارات صحافية إنّ ألبوم "أحلى من برلين" هو محاولة توضيح ما يحصل، بمعنى مثل الحلول الفردية التي يلجأ اليوم إليها الشباب الفلسطيني مثل الهِجرة. دور رأس المال التخريبي، إلى هذا الحدّ دور رأس المال؟ إلى جانب الاحتلال وما يفعله الاحتلال، رأس المال أيضاً يُساهم في هذا الدور؟ يلعب دوراً تخريبياً بدل أن يلعب دوراً مختلفاً 

مجد كيّال: أنا سياسياً لا أرى أنّ الاستعمار يمكنه أن يعمل لوحده من دون توظيف القوى المحليّة في كل بلد من أجل تعميق القمع ومن أجل زيادة القمع، هذا صحيح في (فلسطين) وهذا صحيح عموماً في الوطن العربي. استخدام القوى المحليّة إمّا في شكلٍ مباشر أو في أشكال مُعقّدة أكثر هو دور أساسي ووظيفة أساسية في إبقاء الشعوب تحت القمع وتحت الترهيب وتحت التخويف وتحت التخويف من السؤال والتنوير والفِكر التحرّري، وهذا صحيح في كل الوطن العربي من دون استثناء. هذه هي الوظيفة الاستعمارية الدائِمة، أن تُبقي الشعوب المُستضعَفة تحت وكالات وأشكال مُختلفة من القمع. فأنا أعتقد أنّه نعم، رأس المال الفلسطيني، هذا صحيح في (الضفة الغربية)، في (غزّة)، في الداخل، في كل مكان، وهو أحد الأذرُع التي فعلياً نعم تُشارِك في العمليّة الاستعماريّة

زاهي وهبي: "فرج"، انطلاقاً مما نقوله ونحكيه مع "مجد" مسألة الإنتاج تطرح نفسها، بمعنى أنّ المُنتِج العربي أو رأس المال العربي لا يُشجِّع ولا يتبنّى كثيراً الأعمال الفنيّة ذات القيمة بخلاف التي عندها قيمة تجارية، تهمّه السلعة التي تدرّ عليه ربحاً أكبر. كيف تتعامل كموسيقي أولاً مع هذه الأعمال التي فيها غناء؟ كموسيقي جاد؟ موسيقي طليعي؟ حَداثي في مكان من الأماكن؟ وكيف تتعامل مع مسألة الإنتاج؟

فرج سليمان: طبعاً هذه مسألة صعبة جداً. كل مشروع نجد له الحلّ الخاص به، لا يوجد عندنا شيء دائِم وشيء مضمون لكي نُنتِج لعشر سنوات أو خمس عشرة سنة. في كل مشروع نُحاول، غير التفكير في الإبداع، غير التفكير في المواد الموسيقية أو الفنية نحن نُفكِّر في الإنتاج أيضاً. وعادة هذه لا تكون وظيفة المُبدِع بل تكون هناك شركات وطواقِم تشتغل على هذا الموضوع. كل مشروع نُحاول أن نخلِق له حلّه الخاص به. في الألبوم السابق قمنا بحملة جمع المال من الناس الذين دعموا إنتاج الألبوم، لهذا أنتجناه في قسم منه على حسابنا الشخصي أنا و"مجد" وقسم منه مساعدة من أشخاص يؤمنون بعملنا وشغلنا. لكن مثلما تقول، شركات الإنتاج الكبيرة لا تهتمّ بهذه الأعمال الصغيرة لأنها لا تدرّ الربح الوفير حالياً لأنّ هذا السوق أعتقد يكبر رويداً رويداً، وهذه المواد وهذا النوع من الموسيقى يصل إلى شرائِح أكبر من الناس 

زاهي وهبي: لحُسن الحظّ هناك اليوم وسائِل التواصُل وهناك التقنيات الحديثة التي كسرت إلى حدٍّ ما الاحتكار الذي تُمارسه شركات الإنتاج. دعونا نُشاهِد لو سمحتما "فرج" و"ومجد" مع حفظ الألقاب دائِماً ولكن أنا أُخاطبكما كأصدقاء، نشاهِد من ألبوم "أحلى من برلين" ونسمع "أسئِلة براسي" التي هي من كلمات "مجد كيّال" وغناء "فرج سليمان" ثمّ بعد أن نسمع ونشاهد هذا العمل نعود إلى "بيت القصيد" 

المحور الثاني 

زاهي وهبي: جميل جداً. للحقيقة شوّقتمونا "مجد" و"فرج" أن نتعرّف على "أمّ صبري" وعلى هذه التفاصيل كلّها. أُريد أن أسأل "فرج" لو سمحتما لي، كنّا قبل قليل نتحدَّث عن الأداء وتقولان إنّ التطريب ليس همّكما. سؤالي "فرج" ما هو همّكما إذا لم يكن للطرب في الموسيقى والغناء؟ ما هو الهمّ؟                           

فرج سليمان: في الأساس أنا لا أمتلك الإمكانيّة حتى لو أردت أن أطرِب

زاهي وهبي: لكنّك مؤدٍّ جيِّد 

فرج سليمان: تسلم. أعتقد أنّ شغلي مع المسرح في Musicals أعطاني القليل من الثقة بنفسي كشخص ممكن أن يُعبِّر عن أُغنية من دون اعتبار لصوتي إن كان جيداً أو غير جيد مع كل التقنيّات ومع كل إمكانيات صوتي. مرة أُخرى، هذه النصوص تتطلّب أحداُ يعتمد شخصية معينة ويُقدِّمها، فهناك أشياء تتكامل بين الموسيقى وبين النصّ وبين الأداء في نظري 

زاهي وهبي: نعم 

فرج سليمان: أعتقد أيضاً أنّ هناك مواداً كافية للتطريب ولا ينقصنا التطريب. هذه المواد البسيطة المُعقّدة بمعنى البسيطة العميقة بين قوسين تحتاج إلى أحد يُفسِّرها بغناء عادي جداً من دون أيّ عناء 

زاهي وهبي: كم في تجربتك "فرج" ثمة تأثّر بتجارب مثلاً مثل تجارب "زياد الرحباني"، "خالد الهبر"، هؤلاء الذين اقتربوا من اليومي وحوّلوا الكلام العادي الذي يتبادلانه إثنان؟ مثلاً أحبّة أو عاشقين إلى أُغنية، حوّلوا كلاماً الذي يقوله ربما عامل في العمل وعائِد تعِب إلى منزله وحوّلوا الكلام العادي إلى غناء وإلى موسيقى؟ 

فرج سليمان: طبعاً أكيد. "زياد الرحباني" كان أحد أساتذتي الروحيين عندما درست الموسيقى وهو أيضاَ أحد الأشخاص في رأيي من قلائل العرب الذي تمكّنوا من التعامل مع البيانو في شكلٍ مُختلف قليلاً عن تعامل باقي الموسيقيين مع البيانو. فطبعاً "زياد" و"خالد الهبر" وغيرهما كانوا في رأسي أثناء دراستي وأثناء تعلّمي وأثناء شغلي في الموسيقى لكن طبعاً نحن نحاول أن نبحث عن شيء جديد، بمعنى عندما أُغنّي مقابل الميكروفون لا أُفكِّر في تجارب غيري، أُحاول أن تكون هذه النصوص التي هي صحيح قريبة من ناحية المواضيع لكن فيها اختلاف بعيد حسب رأيي 

زاهي وهبي: طبعاً، على الإنسان أن يخلق بصمته 

فرج سليمان: صحيح، فأُحاول وأنت تعلم أنّ هذه المواد موجودة في الرأس، موجودة عندما يحاول الإنسان أن يُبدِع لكن أيضاً يبحث عن شيء خاص به وجديد  

زاهي وهبي: نعم. "مجد"، اللهجة في نصوصك في إمكاننا أن نقول إنّها لهجة الشمال الفلسطيني في شكلٍ خاص؟ (الجليل) الفلسطيني؟   

مجد كيّال: الموضوع أنّ اللهجات مُختلفة جداً، بين قرى أحياناً تبعُد عن بعضها كيلومترات قليلة جداً تجد اللهجات مختلفة جداً. أعني لهجة (الرامي) التي "فرج" منها مُختلفة جداً عن لهجات مُختلفة لقرى جداً قريبة منها. لا يُمكننا أن نقول عن لهجة إنّها لهجة (حيفا) في شكلٍ متماسِك لأنّ الغالبيّة الساحقة من أهل المدينة هُجِّرت، بالتالي غالبية الناس اليوم في (حيفا) هم وافدون 

زاهي وهبي: "فرج" من "الرامي" وأنت "مجد" من أين؟ من (البروة) حضرتك؟ 

مجد كيّال: أنا وُلِدت في (حيفا) لعائِلة مُهجّرة من قرية (البروة) قضاء (عكّا) ولكنّي ولِدت في (حيفا)، وحتى في (حيفا) هناك بين أحياء مُختلفة أحياناً تجد بعض الاختلافات في نغمة الحديث

زاهي وهبي: نعم 

مجد كيّال: ولكن أعتقد أنّ بعض الكلمات متشابهة في مُعظم اللهجات الفلسطينية، نُطقها أحياناً يختلف بين مكان وآخر. هذا ما كنّا أنا و"فرج" نتناحر عليه أحياناً، عن كيفية قول الكلمة، فنحن نقولها هكذا وهم يقولونها في شكل مختلف. لكن نعم، هي لهجة شمال (فلسطين) في العموم، في الصورة الكبيرة

زاهي وهبي: طبيعي أن يكون الإنسان أقدر على كتابة لهجته أو اللهجات التي يتعايش معها. ربما قلت حضرتك في ربورتاج "قطع وصل" إنّ الفنّ بالنسبة لك ليس رسالة أو لا يُغيِّر الواقع ولكنه يُثقِّف ويوعّي ويُساهِم في التغيير في شكلٍ أو في آخر. في الحال الفلسطينية "مجد"، هل للفنّ دور مختلف أو خصوصية مُختلفة؟ 

مجد كيّال: لا أعتقد أنّ في الحال الفلسطينية هناك دور مُختلِف للفن.  وجود الفنّ وإنتاجه في ظروف طبيعية تحت نظام قمعي هذا موجود في كل مكان في العالم وليس فقط في (فلسطين)، لكن في الاستعمار هناك أشكال أُخرى من القمع وهذا دائِماً موجود. أنت سألت قبلاً عن مسألة التطريب وإذا كان التطريب ليس همّاً فما هو الهمّ؟ أنا في نظري، الهمّ الأساسي للفنّ الذي نحاول أن نقدِّمه هو أن يدفع ويحثّ على السؤال، أن يدفع الناس للتفكير في واقعهم، للتفكير في الوضعية التي يعيشون فيها، للتفكير في معنى هذه الحياة التي يعيشون فيها وما ممكن أن يقوموا به أو ما هو اللازم أن يحدث وما الإمكانيات الأُخرى لتخيُّل هذا الواقع وأنا أظنّ أنّ هذه وظيفة الفنّ في كل مكان. المُشكلة تُصبِح أنّه أحياناً لأجل القمع السياسي، لأجل قمع الناس وقمع تنظيمهم وقمع سعيهم للتحرر تُعطى مساحات ثقافية وهذا صحيح جداً في (فلسطين)، تُمنَح مساحات ثقافية للتعبير، للتواصل، مُقابل أن تتنازل عن إمكانيّة التغيير الفعلي على الأرض 

زاهي وهبي: نعم 

مجد كيّال: هذه هي المساحة التي يُصبِح فيها الفنّ، حتى لو قال أكثر الأمور راديكاليةً لكنّه يخدِم الهروب من مواجهة معيّنة

زاهي وهبي: إسمحا لنا أن نستمِع إلى رأي في هذه التجربة، تجربتكما، وخصوصاً في ألبوم "أحلى من (برلين)" وفي تعاونكما في الأمور السابقة. نذهب إلى (نيويورك)، إلى الكاتبة الأُستاذة "هدى شوّا" ونسمع ماذا تقول "مجد كيّال" و"فرج سليمان" 

رأي - هدى شوّا: في نهاية هذا العام القاسي فلسطينياً وعربياً وعالمياً قمتما بإشعال شمعة، شمعة إنارة، في نفقٍ مُظلِم في تقديم هذا الألبوم "أحلى من (برلين)". أحلى ما في "أحلى من (برلين)" أنّه يتناول القصص اليومية وحكايات الناس في كل مكان، في (حيفا) وفي مُدنٍ أُخرى. قصص حبيبة هَجَرها حبيبها أو مواطن مُشتاق لمدينته أو مواطن مشتاق لخُبز "أمّ صبري" في مخبزها. هذه الأغنيات حرّكتنا، أثّرت فينا، أبكتنا وأضحكتنا. شكراً "فرج"، شكراً "مجد"، للموسيقى، للكلمات، للأغاني، لإبداعكما وإصراركما على خلق هذا الفنّ في هذه الظروف الصعبة 

- "فرج"، المُتابِع لمسارك الموسيقي يجد تحوّلاً عن الفترة الأولى بعد إصدار الموسيقى الآلاتيّة بمعزل عن الغناء وعن الكلمات وعن الأغاني إلى الفترة الحاليّة وهي فترة الألبومات الغنائية. كيف تتمّ المُناصفة أو العدل بين الألبوم الآلاتي والغناء؟ 

- "مجد"، هناك نَفَس قصصي في كتابتك للأغاني وكلمات الأغاني واللغة المُستخدَمة، وأنت شاعِر وكاتب قصة، كيف تؤثّر الكتابة القصصية على اختيارك لمُفردات الأُغنية؟ 

زاهي وهبي: إذاً، شكراً للكاتبة "هدى شوّا" على شهادتها القيّمة إضافةً إلى الأسئِلة في الحقيقة الوجيهة التي طرحتها. "فرج"، سألت "هدى" عن المُناصفة أو العدالة بين الموسيقى المُجرّدة أو الموسيقى الآلاتيّة والألبوم الغنائي، ما هو جوابك؟

فرج سليمان: أولاً أُريد أن أشكر "هدى" على هذه الشهادة وأنا أعتزّ بها وأحبّ "هدى" كثيراً وأحبّ كثيراً شغل "هدى". في موضوع المُناصفة، هذا ما زلت أتعلّمه. أنا شخص كان عندي في بداياتي هاجِس كل فكرة الموسيقى الآلاتيّة وتطويرها وإدخالها في ذهن المُستمع العربي. في المشروع الغنائي كان أول ألبوم من منحى "تعالوا نُجرِّب، تعالوا نرى ما سيحدث"، وهذا الألبوم "أحلى من (برلين)" هو عملياً أول ألبوم 

زاهي وهبي: كتجربةٍ مُتكاملة 

فرج سليمان: صحيح، وكان مع خطّة عمل وكان مع طريق مُعيّن. فأنا اليوم ما زلت أدرُس المُناصفة بينهما عِلماً أنّه كان عندي خوف من أنني إذا ذهبت إلى الـ Stage كي أعزِف موسيقى للجمهور العربي ألا يُفضِّل الجاز أو الـ Instrumental ويحب المشروع الغنائي وحينها هذا سيخلق لي مُشكلة، فالذي أراه أنني أُقدِّم على الـ Stage والناس يحبّون العملين. فاليوم لا خوف جدّياً عندي مما سيأتي وأنت تعرِف، حالياً هناك المشروع الغنائي وسيليه ألبوم "جاز" ويليه ألبوم غنائي، فلا أحسّ أنني في حاجةٍ لأن أقوم بمُناصفة لأنّ المشروعين يلقيان جمهوراً عالمياً في الأساس في كل الوقت

زاهي وهبي: قبل أن أنتقل إلى "مجد"، "فرج" في موضوع الأداء والصياغة الموسيقية والغنائية، الغناء الجماعي في الألبوم، الأماكن التي فيها أكثر من صوت، كم أضاف هذا للعمل وما الغاية منه؟ هل كان استعانة بأصوات، وأنت تقول دائماً إنّك لست مُغنياً ولست مُطرباً، أم للضرورات اللحنية والموسيقية؟ 

فرج سليمان: أعتقد أنّ النصّ فرض أن يكون هناك عدد من المغنيين في هذه الأغاني، والنص فرض أن تكون هناك شخصيات، من أجل هذا كل بيت فيه مغنٍّ وأنا استعنت بأصدقاء لي هم ممثلو مسرح في الأساس وأصواتهم أنا أُحبها. ففي الأساس كان الشغل مرة أُخرى على الشخصيات التي تُقدِّم هذه الأغاني. في الألبوم نرى أن الناس يحبون عملين أو ثلاثة أكثر من الباقي من الأعمال. أعتقد أنّ هذه الأغاني الجماعية أحدثت إضافة كنوعٍ من تنويعٍ صغيرٍ داخل العمل ولكن لم يكن شيئاً مركزياً أعتقد في العمل، كان فقط لإحداث تنوُّع في إحدى عشرة أُغنية 

زاهي وهبي: نعم، نوع من التنويع مثلما تفضلت. "مجد" بخصوص السؤال أو السؤالان اللذين طرحتهما عليك "هدى"، النَفَس القصصي في كتاباتك وكم هذا يؤثِّر أو يلعب دوراً في اختيارك للنصوص الغنائية؟                   

مجد كيّال: التفكير القصصي يوفِّر أدوات دائِماً تمرّ في الدماغ، أعني يوفِّر أدوات وحِيَلاً وتقنيّات التقاط لكيفيّة بناء شخصيّة يستطيع المُستمع أن يتواصل معها في شكلٍ أفضل. تختار الكلمات التي يُمكن أن تترك أثراً مختلفاً، فثمّة عدة أدوات دراميّة نستخدمها دائِماً في كتابة القصة، في كتابة الرواية، حتى في السينما بحيث أنك طوال الوقت تستطيع أن تشبِك المُستمع والمُتلقّي في تسلسل مُعيّن وفي تصاعُد مُعيّن، وترمي الكلمة التي من المفترض أن تشغِّل هذا الشعور؛ بالضبط كما أنت تعرِف أنني الآن مثلاً أريده أن يضحك، أنا الآن أريده أن يبكي، أنا الآن أريده أن يغضب. فهذه أدوات دراميّة في الأساس وهي طوال الوقت توظَّف في الأغاني وهذه كانت مُحاولة أيضاً ليس فقط في الأغاني العينيّة إنما في كل الألبوم كوحدة دراميّة واحدة وتعاملنا معه في هذه الطريقة أنا و"فرج" منذ فترة جدّاً مُبكِّرة، أعني بعد ثالث أو رابع أُغنية بدأنا نفهم أنّ ثمة شخصيات مُشتركة وهناك هواجِس مُشتركة موجودة في كل الأغاني ونريد أن نبني عملاً من بدايته حتى نهايته يحكي هذه القصّة 

زاهي وهبي: نعم. "فرج"، أنت منذ فترة وجيزة جداً تمّ اعتقالك من قِبَل قوّات الاحتلال، عفواً السؤال لـ "مجد"، وهذه ليست المرة الأولى، سبق واعتُقلت أيضاً إثرَ زيارة لـ (بيروت) سابقاً. لربما أيضاً ندعوك إلى (بيروت) ويعتقلونك مرّة ثالثة 

مجد كيّال: لعيونك

زاهي وهبي: هل الاعتقال الأخير له علاقة بالألبوم وبنصوص ألبوم "أحلى من (برلين)" أم لسبب آخر اعتقلوك واعتقلوا شقيقك "ورد" أيضاً 

مجد كيّال: نعم، اعتقلوني مع شقيقي، اقتحموا البيت في ساعات الفجر واعتقلونا وهدّدوا باعتقال أُمّي إذا لم نرافقهم إلى آخره، لكن الاعتقال كان مُصادفة تزامنت مع الألبوم ولم يكن للألبوم علاقة والاعتقال هو جزء من حملة اعتقالات واسعة نُفِّذَت في (الضفة الغربية) وفي (القدس) وفي الداخل هدفها في الأساس تخويف وترهيب ومُحاولة ضغط على الشباب ولقطع علاقات ما بين الداخل و(الضفة) وبين الداخل و(القُدس) وبين (القدس) والوطن العربي. هذا في الأساس كان اعتقالاً تافهاً مِثلَهم، وهذا هو 

زاهي وهبي: ونحن نقول لك الحمد لله على السلامة

مجد كيّال: ألله يخلّيك  

زاهي وهبي: ونحن مُصرّون على التواصل بدورنا مع المُبدعين الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني وعلى إيصال أصواتكم إلى الجمهور العربي الواسع والعريض الذي وجدانه الحقيقي ليس وجدان التطبيع وليس وجدان مُسامحة الاحتلال والغُفران له على جرائِمه. "فرج"، ما الذي يواجهكم كموسيقيين وفنّانين ومُبدعين في (فلسطين)؟ بمعنى ما أصعب أو أهم ما يواجهكم في التواصُل مع الجمهور العربي الموجود خارِج حدود (فلسطين)؟ السؤال لـ "فرج"  

فرج سليمان: أتوقّع، بخلاف جواز السفر الذي يمنعني أو يُصعِّب عليّ السفر إلى الدول العربية نحن في إمكاننا أن نتواصل اليوم عن طريق الـ "فيس بوك" و"إنستاغرام" ومنصّات أُخرى. لا يوجد شيء خاص حسب رأيي اليوم يُصعِّب على الفنان الفلسطيني التواصُل مع جمهوره في أماكن أُخرى. جمهور اليوم، أكبر جمهور عندي موجود في (سوريا) وفي (لبنان) وفي استطاعتي التواصُل معهم. الصعوبات تكمن في السفر، في أن نُسافِر ونُقدِّم عروضاً. في (بيروت) كانت الأمور تترتّب للسفر إلى (بيروت) قبل "كورونا" وفي (سوريا) مستحيل السفر حالياً. هناك بلدان نوعياً أسهل من غير بلدان لكن بخلاف صعوبة السفر لا يوجد شيء آخر

زاهي وهبي: نحن أكيد نتمنّى أن نشاهدكما في (بيروت)، ونحن على استعداد بعد "كورونا" كبرنامج "بيت القصيد" و"الميادين" أن نوجِّه دعوة لحضرتك ولـ "مجد"، ولكن سؤالي: هلّ أنتما وكلاء حصريون لبعضكما أنت و"مجد"؟ بمعنى تعاونك في النصوص الغنائية حصري مع "مجد" أو ممكن أن تشتغل على نصوص لشعراء آخرين وكتّاب آخرين من الداخل الفلسطيني أو من خارِج (فلسطين)؟ 

فرج سليمان: أنا اشتغلت مع كثيرين غير "مجد"، ومع كل شخص اشتغلت معه كنت أختبر شيئاً مختلفاً في الشغل أساساً مع المسرح، في أعمال Musical    

زاهي وهبي: مثلاً مع "هُدى شوّا" اشتغلتما معاً 

فرج سليمان: صحيح

زاهي وهبي: ولكن كنصوص غنائية أعني 

فرج سليمان: ممكن لمشروعي أن أشتغل في الفترة القادمة مع "مجد" لأننا معاً نخلق شيئاً أعتقد من المُسْتَحْسَن إعطاءه المزيد من الطاقة والتفكير لتطويره معاً أكثر، لكن طبعاً من الممكن مستقبلاً وليس في بالي حالياً هذا الأمر لكن 

زاهي وهبي: نعم. كيف كانت تجربة إصدار ألبوم أو إنتاج ألبوم في زمن "كورونا"؟ أعني المسألة مُختلفة عن الزمن العادي، عن الظروف الطبيعية. في أيّة ظروف اشتغلتما وأنتجتما هذا الألبوم "فرج"؟ 

فرج سليمان: مرحلة الكتابة كانت سهلة جداً لي ولـ "مجد" لأن كلانا يقطن في (حيفا). مرحلة الإنتاج كانت جداً غريبة كون فرقتي موجودة كلّها في (باريس) من عازفين وتقنيين في الـ Mixing وفي الـ Mastering، فكانت تجربة جداً غريبة لأنّ الشغل كلّه صار على الـ Zoom. في العادة أنت تعرِف أنّ الموسيقي في حاجة لأن يكون في الاستديو وفي حاجة لأن يكون في غرفة المراجعات ليُدرِّب العازفين ويسمع كل شيء ويُعطي ملاحظات، لكن هذه المرّة كان الشغل عن طريق الـ E- Mails، بمعنى يتدرّب العازِف ويُرسِل لي وأسمع وأُعطي مُلاحظات فكان أمر جداً غريباً. لكن أعتقد أنني كنت محظوظاً لأنّ الناس الذين اشتغلوا معي في البداية كانوا قد عمِلوا معي قبلاً ويعرفون شغلي ويعرِفون صوتي ويعرِفون روح العمل، فكان العمل سهلاً بعد تجربة معينة كانت مع هؤلاء الأشخاص. الإطلاق أيضاً كان غريباً قليلاً لأننا في شكلٍ عام نقوم بالإطلاق عن طريق جولة عروض تبدأ من (حيفا) في (فلسطين) ونُكمِلها في الخارِج لكن هذه المرّة قدّمنا العرض Live على الـ "فيس بوك"، بمعنى حفل على الـ "فيس بوك" 

زاهي وهبي: مثلما يحدُث حوارنا الحالي

فرج سليمان: بالضبط 

زاهي وهبي: كنّا أيضاً مثلما قلنا مراراً نتمنّى أن يكون حوارنا مباشراً. أُريد أن أسأل "مجد". "مجد"، على هامش الكلام عن ألبوم "أحلى من (برلين)"، في شُغلك الروائي والقصصي ما الجديد؟ ما الذي تُحضِّره؟ لاحقاً نتحدّث في التفصيل 

مجد كيّال: ما من شيء مُحدَّد ولكن، أنت في الأساس سألت إن كنّا وكلاء حصريين لبعضنا، أنا أصلاً توصّلت لأن أكتب أغاني بسبب أننا، يعني أحياناً أنا و"فرج" ندعوها أننا نلعب، نتسلّى أحياناً وهذا يُحدِث شعوراً في العُمق في المعنى الجميل لكلمة لعِب

زاهي وهبي: واصِلوا هذه اللعبة، واصلوها، أكمِلوها 

مجد كيّال: أنا مُهتمّ أكثر في كتابة الرواية في الحقيقة وأُحاول أن أجد الطُرُق وأن أقرأ في الأساس، هذا الذي أُحاول أن أقوم به

زاهي وهبي: مَن الروائيين الأحبّ إليك؟

مجد كيّال: عربياً؟ 

زاهي وهبي: عربياً وفلسطينياً، كيفما تريد 

مجد كيّال: فلسطينياً أنا أُحب في الأساس "غسّان كنفاني" كثيراً، تجاربه أقل سياسياً في النقد. مؤخّراً أقرأ لـ "غائب طعمه فرمان"، "محسِن الرملي"، الكتّاب العراقيون في العموم فيهم صوت مثير جداً، هذا باختصار 

زاهي وهبي: في كل الحالات أنا أتمنّى لكما التوفيق والنجاح والاستمرار في تقديم هذه الأعمال المُميّزة مثل ألبوم "أحلى من (برلين)". حقيقةً أنا لا أُجامِل، فعلاً في الألبوم شيء مختلف وثمّة شيء جديد، هناك شيء يُعيِّشنا تفاصيل، يعني عادة الغناء والطرب لا يقتربان منها كثيراً. أتمنّى لك التوفيق "فرج" وأتمنّى لـ "مجد" أيضاً التوفيق في العمل الموسيقي والغنائي وفي العمل القصصي والروائي. من خلالكما تحيّة لـ (فلسطين)، (فلسطين) الداخل و(فلسطين) (الضفة) و(فلسطين) (غزَّة) و(فلسطين) الشتات على أمل أن نلتقي تحت سماء (فلسطين) الحرّة ذات يوم. أهلاً وسهلاً بكما في "بيت القصيد"

فرج سليمان: شكراً 

مجد كيّال: شكراً  

زاهي وهبي: شكراً لكما، شكراً لفريق العمل والشكر الدائِم لمُشاهدينا في كل أنحاء العالم. نلتقيكم الأُسبوع المقبل على خير بإذن الله